أرشيف ديسمبر, 2007

بيان الغنى الحقيقي للوجود

ديسمبر 25, 2007

      

      إنّ شرف كلّ كائن من الموجودات وعلوّ درجته يتعلّق بأمر ويرتبط بكيفيّة

فشرف الأرض وزينتها وكمالها في اخضرارها وتجدّدها من فيض سحاب الرّبيع، إذ ينبت النّبات وتتفتّح الأزهار والرّياحين وتثمر الأشجار وتمتلئ بالفواكه اللّذيذة الشّهيّة وتتشكّل الحدائق وتتزيّن الرّياض وتلبس الحقول والجبال حلّة خضراء وتتزيّن الحدائق والبساتين والمدن والقرى، فتلك هي سعادة عالم الجماد.

وأمّا نهاية رقيّ عالم النّبات وكماله فهو أن يرتفع قدّ الشّجرة على شاطئ جدول من الماء العذب، بحيث يهبّ عليها النّسيم العليل وتشرق عليها الشّمس بحرارتها ويعتني البستانيّ بتربيتها فيزداد نموّها يوماً فيوماً حتّى تؤتى ثمرتها. أمّا سعادته الحقيقيّة ففي رقيّه إلى عالم الحيوان والإنسان بالاندماج فيهما بدل ما يتحلّل من جسميهما.

ورقيّ عالم الحيوان في تكامل أعضائه وقواه وجوارحه ووجود ما يحتاج إليه، هذا هو نهاية عزّته وشرفه وعلويّته. مثلاً إنّ نهاية ما يسعد به الحيوان أن يكون في مرعى خصيب نضير، مياهه جارية وفي غاية العذوبة، أو في غابة نضرة في غاية الطّراوة، فإذا تهيّأ له مثل هذا فلا يتصوّر للحيوان سعادة فوق هذه السّعادة، ومثلاً لو أنّ طيراً اتّخذ عشّاً بغابة مخضرّة في بقعة عالية لطيفة على أعلى أفنان دوحة عظيمة، وتوفّر له كلّ ما يريد من حبوب ومياه فهذه هي السّعادة الكلّيّة للطّير، ولكن سعادته الحقيقيّة في انتقاله من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان كالحيوانات الذّرّيّة الّتي تحلّ في جوف الإنسان بواسطة الهواء والماء فتتحلّل وتعوّض ما يفقده جسم الإنسان، هذه هي نهاية عزّة الحيوان وسعادته، ولا يتصوّر له عزّة بعد هذا.

إذاً صار من الواضح المعلوم أنّ هذه النّعمة والرّاحة والثّروة الجسمانيّة هي السّعادة الكاملة للجماد والنّبات والحيوان، ولا يمكن أن توجد أيّة ثروة أو غنى أو راحة أو دعة في العالم الجسماني تعادل غنى هذه الطّيور لأنّ هذه الصّحارى والجبال فناء وكرها، وجميع الحبوب والبيادر ثروتها وقوّتها بل جميع الأراضي والقرى والغياض والمراعي والغابات والصّحارى ملكها، لأنّه مهما أخذ الطّير من الحبوب وأعطى فلا ينقص ذلك من ثروته شيئاً

فهل هذا الطّير أغنى أم أغنياء بني الإنسان؟

إذاً صار من المعلوم أن عزّة الإنسان وعلوّه ليستا مجرّد اللّذائذ الجسمانيّة والنّعم الدّنيويّة، بل إنّ هذه السّعادة الجسمانيّة فرع، وأمّا أصل رفعة الإنسان فهي الخصال والفضائل الّتي هي زينة الحقيقة الإنسانيّة، وهي سنوحات رحمانيّة وفيوضات سماويّة وإحساسات وجدانيّة ومحبّة إلهيّة ومعرفة ربّانيّة ومعارف عموميّة وإدراكات عقليّة واكتشافات فنّيّة، عدل وإنصاف، صدق وألطاف، وشهامة ذاتيّة، ومروءة فطريّة، وصيانة الحقوق، والمحافظة على العهد والميثاق، والصّدق في جميع الأمور، وتقديس الحقيقة في جميع الشّؤون، وتضحية الرّوح لخير العموم، والمحبّة والرّأفة لجميع الطّوائف الإنسانيّة، واتّباع التّعاليم الإلهيّة، وخدمة الملكوت الرّحمانيّ، وهداية الخلق وتربية الأمم والملل. هذه هي سعادة العالم الإنسانيّ، هذه هي رفعة البشر في العالم الإمكاني، هذه هي الحياة الأبديّة والعزّة السّماويّة، ولا تتجلّى هذه المواهب في حقيقة الإنسان إلاّ بقوّة ملكوتيّة إلهيّة وتعاليم سماويّة، لأنّها تتطلّب قوّة ما وراء الطّبيعة، وفي عالم الطّبيعة نماذج ممكنة من هذه الكمالات، ولكن لا ثبات لها ولا بقاء كما لا تثبت أشعّة الشّمس على الجدار.

وقد وضع الرّبّ الرّؤوف تاجاً وهّاجاً كهذا على رأس الإنسان فعلينا أن نسعى ليسطع على العالم نور درّه اللّمّاع.

من كتاب مفاوضات عبد البهاء

http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-40.html#pg43

أي رب أهدنـــــــي

ديسمبر 21, 2007

دعـــــــــــــاء

أي رب

أهدني

أحفظني

واجعل مني

سراجاً منيراً

ونجماً باذغاً

إنك أنت القويُ القدير

عبد البهاء عباس

دعاء السلام

ديسمبر 17, 2007

بمناسبة عيد الأضحى المبارك وأعياد الميلاد المجيدة

بكل الحب ندعو من قلوبنا أن يعيد الله هذه الأيام المباركة

على العالم وقد انتشر السلام والمحبة والاتحاد بين البشر

وهذا هو دعاء السلام

نردده من أجل العالم أجمع

اللهم أسمع دعانا وحقق رجانا

 

إلهی إلهی تَری قَدِ اشْتَدَّ الظَّلامُ الحالکُ عَلی کُلِّ المَمالِکِ

وَ احتَرَقتِ الآفاقُ مِنْ نائِرةِ النِّفاقِ وَ اشتَعَلَتْ نِيْرانُ الجِدالِ

و القِتالِ فی مَشارِقِ الاَرضِ وَ مَغاربِها

فَالْدِّماءُ مَسْفوکَةٌ وَ الاَجسادُ مَطروحَةٌ

وَ الرُّؤُوسُ مَذْبُوحَةٌ عَلَی التُّرابِ فِی مَيدانِ الجِدالِ

رَبِّ رَبِّ ارْحَمْ هؤلاءِ الجُهَلاءِ

وَ انْظُرْ اِلَيْهِمْ بِعَين الْعَفْوِ وَ الْغُفرانِ وَ أَطْفِ هذِهِ النِّيرانَ

حَتَّی تَنْقَشِعَ هذِهِ الْغُيُومُ الْمُتَکاثِفَةُ فِی الآفاقِ

حَتَّی تُشرِقَ شَمْسُ الحَقِيْقَةِ بِاَنوارِ الوِفاقِ

و يَنکَشِفَ هذا الظَّلامُ وَ يَسْتَضِيْءَ کُلُّ المَمالِکِ بِاَنوارِ السَّلام

رَبِّ أَنْقِذْهُمْ مِن غَمَراتِ بَحْرِ البَغضاءِ

 وَ نَجِّهِمْ مِن هذِهِ الظُّلَماتِ الْدَّهْماءِ وَ اَلِّف بَينَ قُلوبِهِمْ

وَ نَوِّرْ اَبْصارَهُمْ بِنُورِ الصّلحِ وَ السَّلام

رَبِّ نَجِّهِمْ مِن غَمراتِ الْحَرْبِ وَ الْقِتالِ

وَ أَنْقِذْهُمْ مِن ظَلامِ الضَّلالِ وَ اکْشِفْ عَن بَصائِرِهِمْ الغِشاءَ

و نَوِّرْ قُلوُبَهُمْ بِنُورِ الهُدی

وَ عامِلْهُمْ بِفَضْلِکَ وَ رَحمَتِکَ الْکُبْری

وَ لا تُعامِلْهُمْ بِعَدْلِکَ وَ غَضَبِکَ

الَّذِيْ يَرتَعِدُ مِنْهُ فَرائِصُ الْأَقْوِياءِ

رَبِّ قد طالَتِ الْحُرُوبُ وَ اشْتَدَّتِ الکُرُوبُ

و تَبَدَّلَ کُلُّ مَعمور ٍ بِمَطمُورٍ

رَبِّ قَد ضاقَتِ الْصُّدُورُ و تَغَرْغَرَتِ النُّفُوسُ

فَارْحَمْ هؤلاءِ الْفُقَراءَ

و لا تَتْرُکْهُمْ يُفَرِّطُ فِيْهِمْ مَنْ يَشاءُ بِما يشاءُ

رَبِّ ابْعَثْ فی بِلادِکَ نُفُوساً خاضِعَةً خاشِعَةً

مُنَوَّرَةَ الوُجُوهِ بِأَنوارِ الْهُدی مُنْقَطِعَةً عَنِ الْدُّنْيا

ناطِقَةً بِالْذِّکْرِ وَ الثَّناءِ ناشِرَةً لِنَفَحاتِ قُدْسِکَ بَيْنَ الوَری

رَبِّ اشْدُدْ ظُهورَهُم وَ قَوِّ اُزُورَهُمْ وَ اشْرَحْ صُدُورَهُم

بِاياتِ مَحَبَّتِکَ الکُبری

رَبِّ اِنَّهُمْ ضُعَفاءٌ وَ اَنتَ القَوِيُّ الْقَدِيرُ

وَ اِنَّهُمْ عُجَزاءٌ وَ اَنتَ المُعِيْنُ الْکَرِيْمُ

رَبِّ قَدْ تَمَوَّجَ بَحْرُ العِصْيانِ وَ لا تَسْکُنُ هذِهِ الزَّوابِعُ

الّا بِرَحْمَتِکَ الْواسِعَةِ فِی کُلِّ الْاَرْجاءِ

رَبِّ اِنَّ النُّفُوسَ فِی هِاوِيَةِ الهَوی

 فلا يُنْقِذُها اِلّا اَلْطافُکَ الْعُظْمی

رَبِّ اَزِلْ ظُلَماتِ هذِهِ الْشَّهَواتِ وَ نَوِّرِ الْقُلُوبَ بِسِراجِ مَحَبَّتِکَ

الّذی سَيُضِیءُ مِنهُ کُلُّ الْأَرْجاءِ

وَ وَفِّقِ الْأَحِبّاءَ الَّذِيْنَ تَرَکُوا الْأَوْطانَ وَ الْأَهْلَ وَ الْوِلْدانَ

وَ سافَروا الِی الْبُلْدانِ

حُبّاً بِجَمالِکَ وَ انْتِشاراً لِنَفَحاتِکَ وَ بَثّاً لِتَعاليمِکَ

وَ کُنْ أَنِيْسَهُمْ فِی وَحْدَتِهِمْ وَ مُعِيْنَهُمْ فِی غُرْبَتِهِمْ

وَ کاشِفاً لِکُرْبَتِهِمْ وَ سَلْوَةً فی مُصِيْبَتِهِمْ وَ راحَةً فی مَشَقَّتِهِمْ

و رَواءً لِغُلَّتِهِمْ وَ شِفاءً لِعِلَّتِهِمْ وَ بَرْداً لِلَوْعَتِهِمْ

إِنَّکَ اَنْتَ الْکَريْمُ ذُو الفَضْلِ العَظيمِ

وَ إِنَّکَ اَنْتَ الْرَّحْمنُ الْرَّحِيْمُ. 

مناجاة إلهية

ديسمبر 13, 2007

قَلْباً طاهِراً فَاخْلُقْ فِيَّ يا إِلهِيْ

سِرّاً ساکِناً جَدِّدْ فِيَّ يا مُنائِي

أَمْرِکَ يا مَحْبُوبِي

وَبِنُورِ العَظَمَةِ فَأَشْهِدْنِيْ عَلی صِراطِکَ يا رَجائِي

وَبِسُلْطَانِ الرِّفْعَةِ إِلی سَمآءِ قُدْسِکَ عَرِّجْنِيْ يا أَوَّلي

وَبِأَرْياحِ الصَّمَدِيَّةِ فَأَبْهِجْنِي يا آخِرِي

وَبِنَغَماتِ الأَزَلِيَّةِ فَاسْتَرِحْنِي  يا مُؤْنِسِي

وَبِغَنآءِ طَلْعَتِکَ القَدِيمَةِ نَجِّنِي عَنْ دُونِکَ يا سَيِّدِيْ

وَبِظُهُورِ کَيْنُونَتِکَ الدَّائِمَةِ بَشِّرْنِيْ

يا ظاهِرُ فَوقَ ظاهِرِيْ وَ الباطِنُ دُونَ باطِنِيْ

مِنْ أَنْهارِ کافُورِ صَمَدِيَّتِکَ فَأَشْرِبْنِيْ يا إِلهِيْ

وَمِنْ أَثْمارِ شَجَرَةِ کَيْنُونَتِکَ فَأَطْعِمْنِيْ يا رَجائي

وَمِنْ زُلالِ عُيُونِ مَحَبَّتِکَ فَاسْقِنِي يا بَهآئِي

وَفِی ظِلِّ عُطُوفَةِ أَزَليَّتِکَ فَأَسْکِنَّيْ يا سَنائِي

وَفِی رِياضِ القُرْبِ بَيْنَ يَدَيْکَ سَيِّرْنِي يا مَحْبُوبِي

وَعَنْ يَمِينِ عَرْشِ رَحْمَتِکَ فَأَجْلِسْنِي يا مَقْصُودِيْ

وَمِنْ أَرْياحِ طِيْبِ بَهْجَتِکَ فَأَرْسِلْنِيْ يا مَطْلُوبِي

وَفِی عُلُوِّ جَنَّةِ هُويَّتِکَ فَأَدْخِلْنِيْ يا مَعْبُودِيْ

وَمِنْ نَغَماتِ وَرْقآءِ الأَحَدِيَّةِ فَأَسمِعْنِيْ يا مَشْهُودِيْ

وَبِرُوحِ القُوَّةِ وَ القُدْرَةِ فَأَحْيِنِي يا رازِقي

وَعَلی رُوحِ مَحَبَّتِکَ فَاسْتَقِمْنِيْ يا ناصِرِيْ

وعَلی سَبِيْلِ مَرْضاتِکَ ثَبِّتْنِيْ يا خالِقِي

وَفِی رِضْوانِ الخُلُودِ عِنْدَ طَلْعَتِکَ فَأَخْلِدْنِيْ يا راحِمِيْ

وَعَلی کُرْسِيِّ عِزِّکَ مَکنِّيْ يا صاحِبِيْ

وَإِلی سَمآءِ عِنايَتِکَ عَرِّجْنِيْ يا باعِثي

وَإِلی شَمْسِ هِدايَتِکَ فَاهْدِنِيْ يا جاذِبِيْ

وَعِنْدَ ظُهُوراتِ غَيْبِ أَحَدِيَّتِکَ فَأَحْضِرْنِيْ

يا مَبْدَئِيْ وَ مُنايَ

وَإِلی صِرْفِ کافُورِ الجَمالِ فِی مَنْ تُظْهِرَنَّهُ

فَأَرْجِعْنِيْ يا إِلهِيْ

لِأَنَّکَ أَنْتَ المُقْتَدِرُ عَلی ما تَشآءُ

 وَ إِنَّکَ أَنْتَ المُتَعالِ العَزِيزُ الرَّفِيعُ 

اثبات لزوم المربي

ديسمبر 3, 2007

لو نمعن النّظر في عالم الوجود نلاحظ أنّ عالم الجماد والنّبات والحيوان والإنسان كلاًّ وطرّاً في حاجة إلى مربٍّ، فإذا لم يكن للأرض مربٍّ يتعهّدها تصير غابة وتخرج نباتاً لا فائدة فيه، أمّا إذا وجد لها من يتعهّدها ويرعاها فإنّها تؤتي أكُلاً يقتات به ذوو الأرواح، إذاً صار من المعلوم أنّ الأرض تحتاج إلى عناية الزّارع ورعايته لها، انظروا إلى الأشجار إنّها لو تركت بدون مربٍّ فإنّها لا تأتي بثمر وتكون عديمة الفائدة، أمّا إذا تربّت وتعهّدت فذلك الشّجر غير المثمر يصبح مثمراً، وبالتّربية والتّلقيح والتّطعيم تعطي الأشجار ذات الأثمار المرّة فواكه شهيّة، وهذه أدلّة عقليّة وأهل العالم اليوم في حاجة إلى الدّلائل العقليّة.

وكذلك انظر إلى الحيوان تجده بالتّربية يصبح أليفاً، وإذا ترك إنسان بلا تربية يصير حيواناً بل لو ترك والطّبيعة صار أحطّ من الحيوان أمّا إذا ربّيته ألفيته ملاكاً، لأنّ أكثر الحيوان لا يأكل أبناء نوعه، أمّا الإنسان في السّودان بأواسط أفريقيا فإنّه يفتك بأبناء نوعه ويأكلهم، ومن هذا ترون أنّ التّربية هي الّتي تجمع الشّرق والغرب تحت راية حكم الإنسان، والتّربية هي الّتي تظهر كلّ هذه الصّنائع العجيبة، والتّربية هي الّتي تروّج هذه الفنون والعلوم العظيمة، والتّربية هي الّتي تظهر هذه المكتشفات، فولا المربّي لما تهيّأت بأيّ وجه من الوجوه أسباب الرّاحة والمدنيّة هذه كما ترى، ولو ترك إنسان في صحراء بحيث لا يرى أحداً من أبناء نوعه فلا مرية في أنّه يصبح حيواناً محضاً.

يعلم من هذا أنّه لا بدّ من المربّي، ولكنّ التّربية على ثلاثة أنواع تربية جسمانيّة، وتربية إنسانيّة، وتربية روحانيّة، فالتّربية الجسمانيّة هي لنشوء الجسم ونموّه وذلك يكون بتسهيل سبل المعيشة وتوفير أسباب الرّاحة والرّفاهية الّتي فيها يشترك الإنسان والحيوان، وأمّا التّربية الإنسانيّة فهي عبارة عن المدنيّة والتّرقّي والسّعادة، يعني السّياسة والنّظام والتّجارة والصّناعة والعلوم والفنون والاستكشافات العظيمة والاختراعات الجليلة الّتي بها يمتاز الإنسان عن الحيوان، وأمّا التّربية الإلهيّة فهي تربية ملكوتيّة، هي اكتساب كمالات إلهيّة، هي التّربية الحقيقيّة، إذ بها يكون الإنسان في هذا المقام مركز السّنوحات الرّحمانيّة ومظهر (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا)، وهذا هو المقصد الأسمى للعالم الإنساني.

فنحن الآن نريد مربّياً يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً نافذ الحكم في جميع الشّؤون.

ولو يقول أحد إنّني كامل العقل والإدراك وغير محتاج لذلك المربّي إنّه منكر للبديهيّات ومثله كمثل طفل يقول إنّني لست محتاجاً للتّربية وأعمل حسب ما يوحيه إليّ فكري وبنفسي يمكنني الحصول على كمالات الوجود، أو كمثل أعمى يقول إنّني في غنى عن البصر لأنّ هناك عميان كثيرين وهم عائشون، إذاً صار من الواضح المشهود أنّ الإنسان محتاج إلى المربّي ولا شكّ أنّ هذا المربّي يجب أن يكون كاملاً في جميع المراتب وممتازاً عن جميع البشر في كلّ الشّؤون لأنّه لو كان كسائر البشر لا يكون مربّياً، خصوصاً وأنّه يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً، أي ينظّم ويدبّر الأمور الجسمانيّة ويشكّل الهيئة الاجتماعيّة حتّى يحصل التّعاون والتّعاضد في المعيشة وتنظّم وترتّب الأمور المادّيّة في كلّ الأحوال.

وكذلك يؤسّس التّربية الإنسانيّة، أي يجب أن يربّي العقول والأذهان بحيث تصبح قابلة للتّرقّيات الكلّيّة، فتتّسع دائرة العلوم والمعارف وتكشف حقائق الأشياء وأسرار الكائنات وخاصّيّات الموجودات، وتزداد يوماً بعد يوم التّعاليم والاكتشافات، ويستدلّ من المحسوسات على المعقولات، وكذلك يربّي تربية روحانيّة حتّى تهتدي العقول والمدارك لمعرفة ما وراء الطّبيعة وتستفيض من نفحات روح القدس وترتبط بالملأ الأعلى وتصبح الحقائق الإنسانيّة مظاهر السّنوحات الرّحمانيّة حتّى تتجلّى جميع الأسماء والصّفات الإلهيّة في مرآة حقيقة الإنسان وتتحقّق الآية المباركة (لنعملنّ إنساناً على صورتنا ومثالنا).

ومن المعلوم أنّ القوى البشريّة لا تستطيع القيام بأمر عظيم كهذا، ولا يمكن أن تكفل النّتائج الفكريّة أمثال هذه المواهب، فكيف يمكن لشخص واحد بدون ناصر أو معين أن يؤسّس هذا البنيان الرّفيع، إذاً لا بدّ له أن تؤيّده القوّة المعنويّة الرّبّانيّة ليتسنّى له القيام بهذا العمل الجليل.

إنّ ذاتاً واحدة مقدّسة تحيي العالم الإنساني وتغيّر هيئة الكرة الأرضيّة وترقّي العقول وتحيي النّفوس وتؤسّس حياة جديدة وتضع أسساً بديعة وتنظّم العالم وتدخل الأمم والملل في ظلّ راية واحدة وتنجي الخلق من عالم النّقائص والرّذائل وتحثّهم وتشوّقهم إلى الكمالات الفطريّة والاكتسابيّة، فلا بدّ وأن تكون هذه القوّة قوّة إلهيّة ليتسنّى لها القيام بهذا العمل العظيم، ويجب أن ينظر بعين الإنصاف لأنّ هنا مقام الإنصاف، إنّ الأمر الذي لا يمكن لجميع دول العالم وملله إجراؤه وترويجه بكلّ القوى والجنود أجرته نفس مقدّسة بدون ناصر أو معين، فهل يمكن إجراء هذا بالقوّة البشريّة؟ لا والله، فحضرة المسيح مثلاً رفع علم الصّلح والصّلاح وهو وحيد فريد بينما جميع الدّول القاهرة تعجز عن هذا العمل مع جميع قواها.

فانظر كم من الدّول والملل المختلفة مثل الرّوم وفرنسا وألمانيا والرّوس والإنكليز وغيرهم استظلّوا تحت خيمة واحدة، فظهور حضرة المسيح كان سبب الألفة بين تلك الأقوام المختلفة حتّى أنّ بعضهم من الّذين آمنوا بحضرته ائتلفوا لدرجة أن فدوا بأموالهم وأرواحهم بعضهم بعضاً واستمرّ ذلك إلى زمن قسطنطين الّذي كان سبب إعلاء أمر حضرة المسيح ثمّ دبّ الخلاف فيما بينهم لأغراض مختلفة، وخلاصة ما تقدّم أنّ حضرة المسيح جمع هذه الأمم ولكن بعد مدّة مديدة أصبحت الدّول سبب الاختلاف مرّة أخرى.

 والمقصود من هذا هو أنّ حضرة المسيح وفّق إلى أمور عجز عنها جميع ملوك الأرض لأنّه وحّد الملل المختلفة، وغيّر العادات القديمة.

انظروا إلى الرّومان واليونان والسّريان والمصريّين والفينيقيّين والإسرائيليّين وسائر الملل الأوروبيّة، كم كان بينها من الاختلافات فقضى عليها وأزالها السّيّد المسيح وكان سبباً لإيجاد المحبّة بين جميع هذه القبائل، نعم ولو أنّ الدّول بعد مدّة غير قصيرة أخلّت بهذا الاتّحاد إلاّ أنّ المسيح كان قد قام بعمله.

والخلاصة إنّ المربّي الكلّيّ يجب أن يكون مربّياً جسمانيّاً ومربّياً إنسانيّاً ومربّياً روحانيّاً مؤهّلاً بقوّة أخرى فوق عالم الطّبيعة حتّى يحوز مقام المعلّم الإلهي، فإن لم يظهر مثل تلك القوّة القدسيّة لا يقدر على التّربية لأنّه في ذاته ناقص فكيف يستطيع أن يربّي تربية كاملة، مثلاً إذا كان المربّي جاهلاً فكيف يستطيع أن يعلّم غيره، وإذا كان ظالماً فكيف يجعل غيره عادلاً، أو ناسوتيّاً فكيف يجعل غيره إلهيّاً، إذاً يجب علينا أن ننظر بعين الإنصاف، هل المظاهر الإلهيّة الّذين ظهروا كانوا حائزين لجميع هذه الصّفات أم لا؟ فإن لم يكونوا حائزين لهذه الصّفات وهذه الكمالات لما كانوا مربّين حقيقيّين، بناءً على ذلك يجب أن نثبت للمفكّرين بالدّلائل العقليّة نبوّة حضرة موسى ونبوّة حضرة المسيح وسائر المظاهر الإلهيّة، وهذه الدّلائل والبراهين الّتي نذكرها هي دلائل معقولة لا منقولة، وقد ثبت بالدّلائل العقليّة أنّ العالم في حاجة قصوى إلى المربّي وتلك التّربية يجب أن تحصل بالقوّة القدسيّة ولا شبهة في أنّ تلك القوّة القدسيّة هي الوحي وبهذه القوّة الّتي هي فوق البشر يلزم تربية الخلق.

منقول من كتاب مفاوضات عبد البهاء

http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-11.html#pg14