البراهين الإلهيّة على أصل الإنسان ومبدئه

أبريل 26, 2009 by bahaiyat

البراهين الإلهيّة على لزوم الوجود الإنسانيّ أي وجود نوعه، إذ بدون وجود الإنسان لا تتجلّى الكمالات الرّبانيّة، أمّا هذه الدّلائل فهي إلهيّة لا عقليّة، لأنّه قد ثبت بالدّلائل والبراهين مرّات عديدة أنّ الإنسان أشرف الممكنات وجامع جميع الكمالات، وإنّ سائر الكائنات والموجودات مواقع التّجلّيّات الإلهيّة، يعني أنّ دلائل ألوهيّة الله ظاهرة في حقائق الموجودات وفي جميع الكائنات، فكما أنّ أشعّة الشّمس تسطع على الكرة الأرضيّة، يعني نور الشّمس وحرارتها وتأثيرها ظاهر باهر في كلّ ذرّات الكرة الأرضيّة، كذلك ذرّات عموم الكائنات في هذا الفضاء الذّي لا يتناهى كلّ منها يدلّ وينطق عن كمال من الكمالات الإلهيّة، وليس هناك كائن محروم من هذا، فهو إمّا أن يكون آية رحمة الحقّ يعني يدلّ على رحمة الله، أو آية قدرة الحقّ، أو آية عظمة الحقّ، أو آية عدل الحقّ، أو آية ربّانيّة الحقّ الذّي يربّي، أو آية كرم الحقّ، أو آية بصر الحقّ،أو آية سمع الحقّ، أو آية علم الحقّ، أو آية نعمة الحقّ، وقس على ذلك.

والمراد من هذا أنّه لا بدّ لكلّ كائن من الكائنات أن يكون مركزاً للتّجلّيّات الرّبانيّة، أي تظهر وتتجلّى فيه الكمالات الإلهيّة، مثلما تتجلّى الشّمس على الصّحارى والبحار والأشجار والأثمار والأزهار وكلّ الكائنات الأرضيّة، فعالم الكائنات أي كلّ كائن من الموجودات يحكي عن اسم من أسماء الله، وأمّا الحقيقة الإنسانيّة فهي حقيقة جامعة، حقيقة كلّيّة تتجلّى فيها جميع الكمالات الإلهيّة، يعني أنّ كلّ اسمٍ وصفةٍ وكمالٍ نثبّتها للحقّ ففي الإنسان آية وأثر منها، لأنّها لو لم تكن موجودة في الإنسان لما أمكنه أن يتصوّر هذه الكمالات أو يدركها، مثلاً نقول أنّ الله بصير فهذه العين هي آية بصره، ولو لم يكن هذا البصر في الإنسان فكيف يمكننا أن نتصوّر البصر لله ، لأنّ الأكمه الذّي ولد أعمى لا يمكنه أن يتصوّر البصر، والأصمّ الذّي ولد أصمّ لا يمكنه تصوّر السّمع، والميِّت لا يتصوّر الحياة، لذا تجلّت الرّبوبيّة الإلهيّة الجامعة لجميع الكمالات في حقيقة الإنسان، يعني أنّ الذّات الأحديّة الجامعة لكلّ الكمالات تجلت من هذا المقام تجلّياً على حقيقة الإنسانيّة، يعني أشرقت شمس الحقيقة في هذه المرآة وإذاً فالإنسان هو المرآة الكاملة المقابلة لشمس الحقيقة ومحلّ سطوعها، وتجلّي الكمالات الإلهيّة ظاهر في حقيقة الإنسان، لانه خليفة الله ورسول الله، إذ لولا الإنسان لما كان لعالم الوجود نتيجة، فالمقصود إذاً من الوجود هو ظهور الكمالات الإلهيّة، ولهذا لا يمكن أن نقول أنّه كان زمن ولم يكن فيه إنسان، وكلّ ما يمكن أن نقول هو أنّ هذه الكرة الأرضيّة لم تكن موجودة في زمن ما، ولكنّ هذا المظهر الكامل موجود من الأوّل الذّي لا أوّل له، ويكون إلى الآخر الذّي لا آخر له، وهذا الإنسان الذّي نتكلّم عنه ليس المقصود منه كلّ إنسان بل المقصود الإنسان الكامل، لأنّ أشرف عضو في الشّجرة هو الثّمر وهو المقصود الأصليّ، وإن لم يكن للشّجرة ثمر فهي مهملة لا قيمة لها، لهذا لا يمكن أن يتصوّر أنّ عالم الوجود سواء أكان علويّاً أم سفليّاً كان معموراً بالحمار والبقر والفأر والقطّ ومحروماً من الإنسان، فهذا التّصوّر باطل ومهمل، وكلام الحقّ واضح كالشّمس، وهذا دليل إلهيّ لكن لا تمكن إقامته للمادّيّين في أوّل القول بل يجب أوّلاً ذكر الدّليل العقليّ ثمّ الدّليل الإلهيّ.

معنى الإسلام

أبريل 3, 2009 by bahaiyat

أنّ تعدّد رسل الله واختلاف الأحكام التي جاءوا بها لا ينافي وحدة الدين بمعنى الرابطة الوثيقة بين الخالق والمخلوق وكل كلمة من الله هي نور بدون اعتبار لزمانها ومكانها أو الأفق الذي أشرقت منه: فالزبور والتوراة والإنجيل والقرآن كلها كلماته ونوره ورباطه الوثيق وعهده المصون، كما قال تعالى:

“مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يِتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ”١ 

 فلا شك أن الآيات التي يتلوها أهل الكتاب هي آيات الإنجيل والتوراة، وليست آيات القرآن الكريم.

وفي قوله تعالى:

“مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نَنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا”

 بيان واضح يؤكد الوحدة التي تربط جميع آياته – بدون تخصيص أو تحديد – والعروة الوثيقة التي توحد الرسالات الإلهية المتعاقبة.

والمستفاد من لفظ “نَنْسَخْ” أن بين آيات الله وحدة لا تنفصم بطول الزمن بين رسالة وأخرى، فالآية اللاحقة إن تعارض حكمها أو مفهومها مع آيات سابقة حلّت محلّها واعتبرت تعديلاً لها، لأنه لا يتصور وجود تناقض في كلام الله وتفاوت في الأحكام التي يطلب من عباده اتباعها في زمن معين. والآية المذكورة تجزم بأن الآية الناسخة إمّا تماثل المنسوخة أو هي خير منها.

ولا يفهم من لفظ “خير منها” في هذا الموضع معنى المفاضلة بين الآيات سواء من حيث صوابها أو دقة إحكامها، فذلك مناف للكمال الإلهي ودوامه على حال واحد لا أحسن فيها ولا أسوأ. فليست المفاضلة هي المراد من قوله: “بِخَيرٍ مِنْهَا” وإنّما المقصود أن الله يبدّل آياته وأحكامه بما يناسب مدارك الإنسان المتنامية، وظروف نشأته المتغيّرة. وواقع الحال أنه ليس تغييراً وتبديلاً لتصحيح أو تحسين الكلام، ولكنه استبدال اقتضاه التدرج في تربية الإنسان وتهذيب فكره وتنظيم حياته، فآيات الله نظم مكنون في كتاب محفوظ يكشف عنه رسله تعالى بقدر طاقة أهل الإمكان ووفقاً لمدى تقدمهم وقابلياتهم. وليس من شأن العبد أن يقارن أو يفاضل بين أجزاء هذا النظم، وإنّما واجبه التسليم والإيمان بما فيه “كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا”٢.

من هنا نرى أنّ الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والزردشتية وسائر الديانات السماويّة كلّها من حيث أصولها وغاياتها فيض إلهي واحد، وهي تختلف بطبيعة الحال من حيث زمانها وأسلوبها وتعاليمها ولكنها متحدة في سعيها لعلاج ما اختل من شؤون المجتمع البشري بما يتفق مع درجة بلوغه ورشده، وإعداده لمتابعة السير في مراحل التطوّر الروحاني غير المتناهية.

وفي هذا السياق العام يمكن فهم قوله تعالى:

“اليومُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً”٣

فهذا الخطاب الرحماني موجّه بنوع الخصوص إلى أمّة سيدنا محمد ويحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى رسالته. ولكن كلمة “الإسلام” في قوله تعالى “وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً” تفيد أكثر من معنى. فلكلمة الإسلام لُغَةً معانٍ عدة. ومن معانيها الخضوع والانقياد لكل ما يأتي من عند الله، وإسلام الوجه إلى الله، وتفويض الأمر إليه. كما أن من معانيها أيضاً اتّباع شريعة محمد رسول الله.

وهذا المعنى الأخير الخاص للفظة “الإسلام” هو الذي اعتبره أكثر المفسّرين، فقد جاء في مختصر تفسير ابن كثير لهذه الآية

 “هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأُمّة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره”٤

ويعود ابن كثير فيقول في الصفحة نفسها تفسيراً لهذه الآية:

“لما نزلت “اليَومُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ” وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر، فقال له النبي: ما يبكيك؟ فقال أبكاني أنّا كنّا في زيادة من ديننا، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلاّ نقص، فقال: “صدقت”، ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: “إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء”٥.

ولا تـثريب على عامة المفسّرين إذا عظّموا دينهم ورفعوا قدره ومدحوه مع ملاحظة عدم الإسراف في ذلك، وإلاّ وقعوا في الخطأ الذي وقعت فيه الأمم السابقة فضيّقوا المعاني المبسوطة، وخصّصوا فيها بدون دليل، وأوجدوا التعصب الأعمى وأضلّوا الكثير من الناس. وقد رأينا – فيما سبق – أن اليهود اعتبروا كتابهم كاملاً حاوياً كل شيء، وما زالوا يردّدون أن شريعته شريعة أبدية لا تتغيّر وليسوا في حاجة إلى غيرها. وقد كان هذا الفهم صحيحاً في زمان شريعة سيدنا موسى كما صدّق بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى:

“ثُمَّ آتَيْنَا مُوْسَى الكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِم يُؤْمِنُونَ”٦

فكتاب سيدنا موسى عليه السلام كتاب تام، وفيه تفصيل كل شيء، ولكن إطلاق هذا الوصف على نحو يسد باب الهدى من بعده، وينهي رسالات الله، ويزعم أن “يَدْ اللهِ مَغْلُولَةًٌ”٧ تضييق للمعنى وخطأ أدّى بهم إلى تكذيب رسل الله الذين بعثهم الله بالحق من بعد سيدنا موسى.

فتخصيص معنى “الإِسْلاَمَ” على وجه الإطلاق لا يتفق وسياق الكلام، وينحرف عن المراد. وحصر معنى “الإِسْلاَمَ” في قوله: “وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” في الإشارة إلى شريعة سيدنا محمد لا مبرر له ولا دليل عليه، فالآية تحتمل أيضاً المعنى العام للفظة “الإِسْلاَمَ” أي تسليم الوجه إلى الله والإذعان لأوامره تعالى وهذا هو جوهر الدين وحقيقته. وبهذا المعنى وصف الله الأمم السابقة بالإسلام كما قال في معرض الحديث عن سيدنا إبراهيم: “إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِيينَ”٨، أو دعاء سيدنا إبراهيم وإسماعيل “رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ”٩، وكذلك وصيّـته لبنيه: “يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُم الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ”١٠، كما كان حواريوا سيدنا عيسى أيضاً مسلمين: “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيْسَى مِنْهُم الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”١١.

فواضح من الآيات السابقة أن الإسلام بمعناه العام هو طاعة الله وإسلام الوجه إليه تعالى وهو أساس العبودية للّه ولا يتصوّر إيمان المرء بدين سماوي إلاّ إذا كان مقروناً بتسليمه لأمر الله ظاهراً وباطناً. وبهذا المعنى جاءت الآية المباركة: “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ”١٢. ومن الواضح أن صرف دلالة كلمة الإسلام – معرفة بالألف واللام – في هذه الآية إلى رسالة سيدنا محمد وحدها ينفي وصف الدين عن رسالة كل من سيدنا موسى وسيدنا عيسى، وهو ما يناقض آيات القرآن الصريحة بأن ما جاء به سيدنا موسى وسيدنا عيسى كان حقاً من عند الله. والمعلوم لغة أن كلمة “الدِّينَ” – معرفة بالألف واللاّم – وبدون تخصيص تعني أولاً: الرابطة بين العباد وخالقهم ولا تقتصر على رسالة معيّنة بل تشملها جميعاً.

كما تعني ثانياً: أن هذه الرابطة واحدة على ممرّ الزمن، وأن تتابع الشرائع المعدّلة لأحكام هذا الدين الواحد هي سرّ دوام حيوية هذه الرابطة وصلاحها مع تغيّرِ الظروف والأحوال.

والآية الواردة بعد “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ” تبيّن بوضوح المعنى المراد إذ جاء القول فيها موجها إلى سيدنا محمد: “فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي للهِ”. وبهذا أوضح الله تعالى أهمية إسلام العباد لتعاليمه وأحكامه بحيث صار الإسلام وصفاً شاملاً وشرطاً لكل الرسالات الإلهية

فسيدنا نوح جاء بدين وصفه الله تعالى بأنّه الإسلام: “وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ”١٣

وسيدنا يعقوب عليه السلام جاء أيضاً بالإسلام: “أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيْهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”١٤

وكذلك سيدنا موسى عليه السلام: “وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَـَّما جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ”١٥

وسيدنا عيسى عليه السلام جاء بالإسلام: “وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيـِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسلِمُونَ”١٦.

وخلاصة ما تقدّم أنّ “للإسلام” أكثر من معنى فهو في موضع يعني استجابة العباد إلى أوامر الله وانقيادهم لمشيئته، وفي موضع آخر اسم رسالة من الرسالات السماوية.

أمّا قوله تعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ”١٧

فيمكن حمل كلمة “الإسلام” في هذه الآية على معناها العام بناء على سياق الحديث في الآية السابقة

“قُولُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوْسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِم لاَ نُفَرِّقُ بِيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”.

فالإسلام بمعناه العام – كما رأينا – شرط لازم ومشترك لكل الشرائع، ويعني رفض الله أدنى تحفّظ أو تردّد من عباده إزاء قبول شرائعه وأوامره قبولاً غير مجزأ وغير مشروط، ولا يقبل منهم إلاّ تسليمهم التام لكل ما جاء فيها.

وبعبارة أخرى، إن الرسالات الإلهية المتتابعة لا تبغى اقتسام العباد، ولا تريد التفرقة، ولا تمس بوحدة الدين، وإنما هي – كبنيان مرصوص – تكمّل كل منها الرسالة السابقة عليها، فتبدّل بعضاً من أحكام الشريعة السابقة بأحكام تحقق الغايات نفسها، كما بدّلت شريعة سيدنا موسى شرع سيدنا إبراهيم، وكما نسخت شريعة السيد المسيح شرع سيدنا موسى، وكما نسخت شريعة سيدنا محمد شرع سيدنا المسيح وهلمّ جرّا، وهكذا تتصل كل رسالة بالأخرى وتكوّن حبلاً واحداً أمر الله الناس أن يعتصموا به، وذلك هو عهد الله مع عباده.

والمتدبّر في كتاب الله يتبين أن لله مع البشر عهدين:

عهد عام مع الناس جميعاً أن يؤمنوا برسالاته ويتّبعوا أوامره ويسلّموا له بحكم الفطرة التي فطر الناس عليها “أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ”١٨

وعهد خاص يوثّـقه الله مع المؤمنين في كل رسالة من رسالاته وهذا مفهوم من لومه تعالى لبني إسرائيل لحنثهم بعهده الذي أوثـقه سيدنا موسى:

“يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُم وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوْفِ بِعَهْدِكُم وَإِيَّايَ فَارْهَبُونَ”١٩

وجاء في تفسير الشيخ محمد عبده: “عهد الله تعالى إليهم يُعرف من الكتاب الذي نزّله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه”٢٠.

ولا يجوز القول: بأن الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل ولا يصدق على غيرهم، لأن العدل الإلهي لا يخصّ قوماً بما يأباه على غيرهم فرحمته تعّم العالمين ونوره يهدي كل البشر، ولومه بني إسرائيل يصدق أيضاً على كل أمّة تعرض عن رسالاته وتتخذ منها موقفاً مماثلاً لموقف بني إسرائيل.

ومضمون العهد الإلهي المشار إليه في الآية المذكورة صريح في قوله تعالى موجّهاً إلى بني الإنسان عامّة:

“يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأْتِيَنَّكُم رُسُلٌ مِنْكُم يَقُصُّونَ عَلَيْكُم ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ”٢١.

وحقيقة أخرى تؤكدها هذه الآية المباركة ألا وهي وحدة دين الله التي لا تتعدّد بكثرة رسله وتعدّد شرائعهم على مدى الزمن، ومن ثم من يؤمن برسالة ولا يؤمن بأخرى، كأنه حنث بعهد الله، لأنّه قد احتجب بالتعدّد عن وحدانيته تعالى.

وتبعاً لذلك مَن يـؤمن برسول دون رسول يكون قد غفل عن حقيقة التوحيد. وهذا قوله تعالى:

“إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيْدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيْدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاُ أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيْهِم أُجُورَهُم وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً”٢٢.

هذا هو الكفر بأدق معانيه، ويختلف عما تظنّه العامّة الذين يعتبرون الكفر عدم الاعتراف بوجود الباري جلّ وعلا. وهذا تصوّر غير صحيح، فما من إنسان إلاّ ويعترف بوجود إلَه واحد مدبّر لشؤون الكون، حتى الطبيعيّين – على الرغم من عدم استعمالهم لفظ الجلالة – يعتقدون بوجود قوّة خفيّة مسيّرة للكون وإن كانوا لا يدركون كنهها ولا يعرفونها بغير هذا التعريف. فالكفرالحقيقي – كما صرحت الآية المباركة – هو التفريق بين رسل الله، والتفريق بينهم وبين الله عزّ وجلّ، وقبول واحد ورفض الآخر، فالذي يعترض على أيّ رسول إلهي في أيّ زمن من الأزمان يكون في الحقيقة قد قطع ما أمر الله به أن يوصل.

وقد ذكّر حضرة بهاءالله هذه الحقيقة في تأكيد قاطع بقوله المنيع:

“وإنّك أنت أيقن في ذاتك بأنّ الذي أعرض عن هذا الجمال فقد أعرض عن الرّسل من قبل ثم استكبر على الله في أزل الآزال إلى أبد الآبدين ٢٣.

1. سورة آل عمران، آية ١١٣
٢. سورة آل عمران، آية ٧
٣. سورة المائدة، آية ٣
٤. مختصر ابن كثير، المجلّد الأول، ص ٤٨٢
٥. المرجع السابق، ص ٤٨٢ و ٤٨٣
٦. سورة الأنعام، آية ١٥٤
٧. سورة المائدة، آية ٦٤
٨. سورة البقرة، آية ١٣١
٩. سورة البقرة، آية ١٢٨
١٠. سورة البقرة، آية ١٣٢
١١. سورة آل عمران، آية ٥٢
١٢. سورة آل عمران، آية ١٩
١٣. سورة يونس، آية ٧٢
١٤. سورة البقرة، آية ١٣٣
١٥. سورة الأعراف، آية ١٢٦
١٦. سورة المائدة، آية ١١١
١٧. سورة آل عمران، آية ٨٥
١٨. سورة يس، آية ٦٠-٦١
١٩. سورة البقرة، آية ٤١
٢٠. رشيد رضا، تفسير المنار (بيروت، دار المعارف، الطبعة الثانية) المجلد الأول، ص ٢٩٠
٢١. سورة الأعراف، آية ٣٥
٢٢. سورة النساء، آية ١٥٠-١٥٢
٢٣. بهاءالله، لوح أحمد

 

منقول من كتاب النبأ العظيم http://www.nabaazeem.com/

التوحيد في الدين البهائي

اغسطس 28, 2008 by bahaiyat

الإيمان بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له ركن أساسي من أركان الدين البهائي، ويشمل في جملته بأن الكون بأسره بما فيه من مخلوقات وظواهر وقوى إنما هو من صنع خالق واحد أنشأ هذه الكائنات وفطَر الأرض والسماوات فأتقن تكوينها وأبدع في صنعها. فالله ملك السماوات والأرض وهو القادر القدير يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو الباسط لسلطانه المطلق على كل ما خلق، وله العلم التّام بكل شيء فهو العليم الخبير. ومهما اختلفت مفاهيم البشر عن هذا الذي يسبّح بحمده كلّ مَن في الأرض والسماء، ومهما اختلفت سبل التعبّد لدى باب قدسه، وتباينت اللغات للتعبير عن عظمته وجلاله فإنّه الكائن المتفرّد لا تدركه الأبصار ولا البصائر ولا تحيط به الأفهام والعقول. فالسبيل إلى معرفة ذاته مسدود والطلب مردود، فهو الغيب المنيع المنزّه عن إدراك كلّ مدرك وعرفان كلّ عارف. ندعوه بأسماء اختلفت باختلاف اللغات فهو الله وهو يهوه وهو الرّب وهو براهما وغير هذه من الأسماء.

وقد عبّر حضرة بهاء الله عن تمجيده وإجلاله للخالق العظيم إذ قال:

“سبحانك اللّهم يا إلهي كيف أذكرك بعد الذي أيقنت بأن ألسن العارفين كلّت عن ذكرك وثنائك ومنعت طيور أفئدة المشتاقين عن الصّعود إلى سماء عزّك وعرفانك، لو أقول يا إلهي بأنك أنت عارف أشاهد بأن مظاهر العرفان قد خلقت بأمرك ولو أقول بأنك أنت حكيم أشاهد بأن مطالع الحكمة قد ذُوّتَت بإرادتك وإن قلت بأنك أنت الفرد، ألاحظ بأن حقايق التفريد قد بعثت بإنشائك وإن قلت إنك أنت العليم أشاهد بأن جواهر العلم قد حُقّقت بمشيئتك وظهرت بإبداعك فسبحانك سبحانك من أن تشير بذكر أو توصف بثناء أو بإشارة لأن كل ذلك لم يكن إلا وصف خلقك ونعت أمرك واختراعك، وكلّما يذكرك الذاكرون أو يعرج إلى هواء عرفانك العارفون يرجعُنّ إلى النقطة التي خضعت لسلطانك وسجدت لجمالك وذُوّتَت بحركة من قِبَلك…”

أكد حضرة بهاء الله بأن الله عزّ وجلّ منزّه عن إدراك كل مدرك، يعجز العقل البشري كل العجز عن أي تصوّر واضح لذاته أو وصف تلك الذات أو معرفة حقيقتها، إذ لا يعرف ذاته وكنه حقيقته إلا هو، فإجمالاً لا يعرف الله إلا الله:

“فسبحانك سبحانك من أن تذكر بذكر وتوصف بوصف أو تثنى بثناء، وكل ما أمرت به عبادك من بدايع ذكرك وجواهر ثنائك هذا من فضلك عليهم ليصعدنّ بذلك إلى مقر الذي خُلِقَ في كينونتهم من عرفان أنفسهم، وأنك لم تزل كنت مقدساً عن وصف ما دونك وذكر ما سواك، وتكون بمثل ما كنت في أزل الآزال، لا إله إلا أنت المتعالي المقتدر المقدس العليم…”

فالمشار إليه بالأسماء الحسنى ليس ذات الحقّ، فمهما أطلقنا على الله من أسماء وصفات وقلنا إنه القوي القدير أو الودود الرحيم أو العادل الكريم، فإن هذه الألفاظ ما هي إلا مشتقات أملتها علينا التجربة الإنسانية المحدودة لمعاني القوة والرحمة والعدالة والمحبة. والحقيقة إن معرفتنا لأي أمر من الأمور إنما هي معرفة محدودة وتقتصر فقط على مفهومنا الشخصي لصفات ومزايا تصوّرها لنا خبرتنا الضيقة وعقلنا المحدود.

  “اعلم أن العرفان على قسمين: معرفة ذات الشيء ومعرفة صفاته، ومعرفة الذات تكون بمعرفة الصفات ليس إلا حيث إن الذات مجهولة غير معلومة، ولما كانت معرفة الأشياء بالصفات لا بالذات وهي مخلوقة محدودة، فكيف إذاً يمكن معرفة حقيقة الذات الإلهية وهي غير محدودة…

لهذا فمعرفة الله عبارة عن إدراك الصفات الإلهية وعرفانها لا إدراك الحقيقة الإلهية، ومعرفة الصفات أيضا ليست معرفة مطلقة، بل إنما تكون بقدر استطاعة الإنسان وقوّته، والحكمة عبارة عن إدراك حقائق الأشياء كما هي، أي على ما هي عليه، وذلك بقدر استطاعة الإنسان وقوته، لهذا فليس هناك سبيل للحقيقة الحادثة لإدراك كنه الذات، بل إنها فقط تدرك الصفات القديمة بقدر الطاقة البشرية، فغيب الذات الإلهية مقدس منزّه عن أن تدركه الموجودات، وكل ما يدخل تحت التصوّر إنما هو إدراكات إنسانية، فقوّة الإدراك الإنساني لا تحيط بحقيقة الذات الإلهية…”

من هذا يتّضح أن معرفة الإنسان بالله إنما تعني العلم بصفات الله وسجاياه وحَسب ولا تعني المعرفة المباشرة لحقيقة الخالق أو الذات الإلهيّة. وهذا بحد ذاته يطرح التساؤل: كيف نتوصل إلى معرفة الصفات الربّانية؟ لقد كتب حضرة بهاء الله ما معناه أن كل ما في هذا الوجود هو من صُنع الله، وكل شيء بالتالي ينمّ أو يكشف عن مزيّة من صفات خالقه. ومثال ذلك أننا نستطيع أن نستشف قدرة الله وعظم صنعه حتى ولو تأمّلنا في الحجر أو البلّور وكيفية تكوينهما يزداد إدراكنا لعظمة الله وتظهر قدرته وصفاته المهيمنة كلّما دقّقنا النظر فيما صفا من المعادن وما أُبدع خلقه وصناعته. ولمّا كان ابتعاث الله رسولاً أو مظهراً إلهيّاً هو أسمى وأرفع أشكال الخَلْق فجميع الكمالات والفيوضات والتّجليات لذات الحقّ ظاهرة في حقيقة المظاهر الإلهية، فالأسماء والصّفات والمحامد والنّعوت التي نصف بها الخالق العظيم كلها راجعة إلى هذه المظاهر المقدّسة:

“إن ما في السماوات وما في الأرض مهابط لظهور الله وصفاته… وينطبق هذا على الإنسان بصورة خاصة، فقد اختصّه الله دون غيره من الموجودات فشرّفه وميّزه… وتجلّت في الإنسان صفات الله وأسماؤه على نحو أشرف وأكمل من غيره… وأكمل الناس وأفضلهم وألطفهم هم مظاهر شمس الحقيقة، لا بل كل ما سواهم موجودون بإرادتهم، ويحيون ويتحركون بفيضهم…”(مترجم عن الفارسية)

على الرغم مما يكشف عنه الحجر وما يظهره الشجر من إبداع الخالق ودقة صنعه، فإن الكائن الواعي، أي الإنسان، وحده قادر على تصوير الصفات الإلهية وقولبتها في حياته وتصرّفاته. وبما أن المظاهر الإلهية هي بالفعل في حالة الكمال، فإن أقرب فهم كامل للمعاني العميقة لصفات الله يتجلّى في حياة البشر. فالله لا يحدّه جسد ولا تحوطه مادة، ولذا فنحن غير قادرين على رؤيته جهاراً أو مشاهدة ذاته أو شخصه. ومن ثم فإن إدراكنا القاصر ومعرفتنا المحدودة للمظاهر الإلهية هما في الحقيقة أقصى ما نستطيع الوصول إليه في محاولاتنا لعرفان الله:

“قل إن الغيب لم يكن له من هيكل ليظهر به إنّه لم يزل كان مقدّسا عمّا يُذكر ويُبصر… إن الغيب يُعرف بنفس الظهور، والظهور بكينونته لبُرهان الأعظم.”

وفي قول آخر مشابه:

“ولمّا أن كانت أبواب عرفان ذات الأزل مسدودةً على وجه الممكنات لهذا باقتضاء رحمته الواسعة في قوله سبقت رحمته كل شيء ووسعت رحمتي كل شيء، قد أظهر بين الخلق جواهر قدس نُورانيّة، من عوالم الروح الروحاني على هياكل العزّ الإنساني، كي تحكي عن ذات الأزلية وساذج القدمية…” (مترجم عن الفارسية)

لعلّه من الطبيعي أن أولئك الذين تتزامن حياتهم مع فترة تبدّي المظاهر الإلهية هم الذين تتاح لهم وحدهم أكثر من غيرهم فرصة عرفان الله عن طريق التّعرف إلى مظهره الذي بعثه. ومن هذا المنطلق أوضح حضرة بهاء الله أن الصّلة الأساسية بين الفرد وربّه إنما تبقى وتدوم من خلال الآثار المقدّسة التي يخلفها لنا كل مظهر من المظاهر الإلهية. ويعتقد البهائيون بأن ما ينطق به المظهر الإلهي هو الكلمة الإلهية. وإلى هذه الكلمة يمكن للفرد أن يتوجه ويستلهمها دوماً في عمله وحياته لكي يتقرّب بها من الله ويكتسب إدراكاً أعمق ومعرفة أوسع به. فكلمة الله المكتوبة هي الأداة التي تخلق الوعي، والوسيلة التي تبعث الشعور بالله عند الفرد في حياته وشئون يومه:

“قل إن دليله نفسه ثم ظهوره ومن يعجز عن عرفانهما جعل الدليل له آياته… وأودع في كلّ نفس ما يعرف به آثار الله…”

ولهذا السبب فإن إقامة الصلاة اليومية والتأمّل في الآثار المقدّسة وتلاوتها تحتل حيّزاً هامّاً في الحياة الروحية الفردية للبهائيين. فهم يشعرون بأن هذا الانضباط الروحي هو أحد أهم العوامل وأقصر السّبل إلى التقرُّب من الله.

وخلاصة القول هي أن مفهوم الدين البهائي لله هو أن الحقيقة الإلهية ستبقى أبداً منزّهة عن الإدراك، ولكنّ صفات الله وسجاياه تنعكس متألقة في المظاهر الإلهية التي هي بمثابة المرايا التي تعكس تلك السجايا والصفات:

“وهذه المرايا القدسية ومطالع الهُويّة تحكي بتمامها عن شمس الوجود وجوهر المقصود، فمثلاً علمهم من علمه، وقدرتهم من قدرته، وسلطنتهم من سلطنته، وجمالهم من جماله، وظهورهم من ظهوره…”

وبما أن معرفتنا بأي شيء مقصورة على وعينا بالصفات المُدركة حِسّيّاً لذلك الشيء، فإن معرفة المظاهر الإلهية (بالنسبة للأناس العاديين) هي أقصى ما يمكن أن يحقّقه البشر في محاولتهم لمعرفة الله:

“…أما تجلّي الكمالات والفيوضات والصفات الإلهية فهي ساطعة لامعة من حقيقة الإنسان الكامل ويعني ذلك الفرد الفريد المظهر الكلّي الإلهي، لأنّ سائر المخلوقات اقتبست منه شعاعاً، أما المظهر الكلي فهو مرآة تلك الشمس، تظهر فيها بجميع كمالاتها وصفاتها وآثارها وآياتها، فمعرفة الحقيقة الإلهية ممتنعة محال، وأما معرفة المظاهر الإلهية فهي معرفة الحقّ، لأن الفيوضات والتجلّيات والصفات الإلهية ظاهرة فيها، إذاً لو اهتدى الإنسان لمعرفة المظاهر الإلهية فقد فاز بمعرفة الله، ولو غفل عن معرفة المظاهر المقدسة حُرم من معرفة الله، فثبت وتحقق أن المظاهر المقدسة هم مركز الفيض والآثار الكتابية والكمالات الإلهية…”

وهذه المعرفة تتأتّى وتُكتسب من الناحية العملية عن طريق الدرس والصلاة والتأمل والممارسة الفعلية القائمة على وحي كلمة الله (أي الآثار الكتابية المقدسة للمظاهر الإلهية).

 

الله والإيمان والخلود

إنّ هدف الحياة الدّنيويّة التي يعيشها الإنسان من منظور الدين البهائي هو أن يَجهد كلّ فرد منّا في عمله على تنمية الفضائل والصّفات الخلقيّة الكامنة في جوهر ذاته. فقد وصف حضرة بهاء الله الإنسان بأنه مَنجَم غنيّ بالجواهر التي لا تقدّر بثمن إذ يتفضّل قائلاً:

“انظر إلى الإنسان بمثابة منجم يحوي أحجاراً كريمة تخرج بالتربية جواهرُه إلى عرصة الشهود وينتفع بها العالم الإنساني.”

 ولكن هذه الجواهر المكنونة أو الصفات الكامنة لا يمكن استخراجها من منجمها أو تطويرها وصقلها إلا بتوجّه الإنسان إلى الله وابتغاء مَرضاته. وعلى الرغم من أن هذه المهمّة الجسيمة تبقى من واجبات الفرد ومسئوليته وحده، فطالما بعث الله بالهداية إلى بني البشر يرشدهم كيفيّة تحقيق مسئوليتهم هذه فضلاً وكَرَماً منه على عباده. ولذا فإن المفهوم البهائي للطبيعة الإنسانية وحقيقة الروح هو في أساسه مفهوم يوحي بالخير والأمل، كما هو الحال بالنسبة لنظرة الدين البهائي إلى الحياة وهدفها وما ينتظر الإنسان من حياة بعد الموت.

يؤمن البهائيون بأن لا إله إلا الله الخالق العزيز لهذا الكون. فقد أظهر الله نفسه لبني البشر على مَرّ الأزمنة والعصور عبر سلالة من الأنبياء والرسل الذين أسّس كلٌّ منهم ديناً عظيماً. ولقد ضمّت هذه السلالة من الرسل إبراهيم وكريشنا وزرادشت وموسى وبوذا وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. ويكشف لنا هذا التعاقب من رُسل الهداية الربّانيّة عن “خطّة إلهية” واحدة متّصلة الحلقات هدفها هداية البشر إلى عبادة الخالق العظيم وتنمية طاقاتهم الروحيّة والفكريّة والخلقيّة. فلقد كان الهدف الإلهي دائماً هو تنمية هذه الفضائل والخصال الحميدة عند كل إنسان وتمهيد الطريق أمام تقدّم الحضارة الإنسانية لتعمّ العالم أجمع. ويؤمن البهائيون بأن معرفة الإنسان الحديث لإرادة الله لم تبدأ إلاّ منذ مائة عام ونيّف على يدي حضرة بهاء الله آخر مَن ظهر من تلك السلالة المباركة من رُسُل الهداية والرّشاد.

منقول من  http://info.bahai.org/arabic/oneness.html

بيت العدل الأعظم

اغسطس 28, 2008 by bahaiyat

بيت العدل الأعظم

المركز البهائي الإداري العالمي

من كلمات حضرة بهاء الله عن العدل والإنصاف قوله في ختام أحد ألواحه: “رأس كل ما ذكرناه لك هو الإنصاف.” فقد بيّن حضرة بهاء الله أن المقصود من إقامة العدل هو “ظهور الاتحاد بين العباد” وأكَّد بأنَّه العامل الوحيد في تغيير أحوال المجتمع وإحلال السلام الدائم فيه. ولعل أهم ما يميّز الجامعة البهائية هو إيمانها الصادق بفعالية مبدأ وحدة العالم الإنساني. وهو إيمان يدعمه العزم والتفاني في سبيل تحقيق هذه الوحدة. إنَّ جهود البهائيين حول العالم لبناء مجتمعاتهم القائمة على العدل والتآزر إنَّما يوجهها نظام إداري فريد في نوعه وَضع أُسُسه حضرة بهاء الله نفسه.

يخبرنا حضرة بهاء الله بأنَّ ترجمة الدافع الديني عمليّاً في العصر الحديث يتمثّل في اتخاذ القرار الجماعي والقيام بالنشاطات الجماعية في هَدْيِ المبادئ الروحيّة والأخلاقية. ويؤكد بأنّه لا يمكن لأية سُلطة أَنْ تصبح أداةً للعدل، او لأي حكم أنْ يخدم المصالح الإنسانيّة بحقٍّ وإخلاص، ما لم تكن تلك السُلطة وذلك الحكم في يد هيئة واحدة متّحدة لا في يد فردٍ واحد. وينصحنا حضرة بهاء الله تبعاً لذلك بأن “تمسّكوا بالمشورة في جميع الأمور.” ويضيف قائلاً: “بالمشورة يتحقق النضج والبلوغ ويظهر الفهم والإدراك.” ورغم أنَّ حضرة بهاء الله مثله مثل غيره من المظاهر الإلهيّة السابقة قد ثبّت مرة اخرى بعضاً من الحقائق الروحانية الأساسية التي جاءت بها تلك المظاهر، إلا انّه بعث في الإنسانيّة “روحاً وحياةً جديدة” فأنزل الشرائع وصاغ الوسائل والنظم التي يمكن بها تحقيق العدالة في الشؤون الإنسانيّة.

يؤمن البهائيون بأنَّ “النظام الإداري” الذي أبدعه حضرة بهاء الله وشيّد أركانه كلٌّ من عبد البهاء وحضرة شوقي أفندي، نظام يحدد نمطاً للاشتراك الجماعي في اتخاذ القرارات وفي تنظيم التعامل الاجتماعي لتنمِية القُدُرات الخُلُقية والإبداعية الكامنة في الطبيعة الإنسانيّة. ويعطينا هذا النظام أُنموذجاً لخلق بُنْيةِ المؤسسات الضرورية لحياة مجتمع عالمي، ونمطاً للحياة والتعايش تتوحّد فيها الأطراف المتعددة، فتتنامى روح التعاون وتتآلف الغايات والأغراض، وتسود المودة والتعاطف، ويتعزّز الخُلُق المستقيم والمسلك القويم. ومن الخصائص الفريدة التي تميّز هذا النظام الإداري قدرته على أنْ يوازن بين المحافظة على حرية الفرد والعمل على خدمة المصالح العامة ومنفعة المجتمع. وكتب وليّ أمر الدين البهائي حضرة شوقي أفندي بهذا الخصوص قائلاً:

“إِنَّ هذا النظام الإداري يختلف أساساً عن أي نظام سابق قرره نبيّ من الأنبياء، ذلك لأن حضرة بهاء الله نفسه هو الذي بَعَث مبادئه وأسّس قواعده، وعيّن الشخص الذي يبين كلمته، وخلع رداء السلطان على الهيئة التشريعية التي تطبّق أحكامه [أي بيت العدل الأعظم].” 

يتألف النظام الإداري البهائي من مجموعة من المجالس الإدارية المنتخَبة تقوم بنشاطاتها على أصعدة ثلاثة: محليّة ومركزية وعالمية. اما الأُسس التي يقوم عليها هذا النظام فهي تلك المبادئ الاستشارية والانتخابية الفريدة التي سبق ذكرها، وهي مبادئ ديمقراطية في روحها وطرق تنفيذها. فهذا التسلسل الهرمي يسمح لأدنى مستويات هذا النظام بالاشتراك في صياغة القرار، مما يتيح الفرصة للجماهير كي تشارك في إدارة شؤونها بطريقة لا مثيل لها، وغير مسبوقة. وتضمن هذه الطريقة مستوىً من التنسيق وممارسةً للسلطة يُسهِّلان قيام تعاون بنّاء على نطاق عالمي. وسمّى حضرة بهاء الله هذه المجالس الإدارية صاحبة السلطة التنفيذية باسم “بيوت العدل.”

واليوم يقود بيت العدل الأعظم أنشطة الجامعة البهائية العالمية كلّها. وقد أسّس حضرة بهاء الله هذه الهيئة بنفسه وجعلها أسمى مصدر للتشريع في نظامه الإداري، ووصف أعضاء تلك الهيئة بأنهم “أمناء الله بين عباده ومطالع الأمر في بلاده.” ويصرّح بيت العدل الأعظم مضيفاً إلى ذلك فيقول “إِنَّ منشأ بيت العدل الأعظم ومصدر سلطاته، ومنبع وظائفه، ونطاق نشاطاته كلّها تنبثق من الكلمة الإلهيّة التي نطق بها حضرة بهاء الله والشروح والبيانات التي أسهم بها كلٌّ من مركز الميثاق ووليّ أمر الدين البهائي … فهذه الكلمة الإلهيّة وتلك الشروح والبيانات تحدّد بصورة ملزمة اختصاصات بيت العدل الأعظم وصلاحياته، وتمثّل الصخرة الثابتة التي يقوم عليها بنيانه.”

 

وطبقاً للنص الواضح من يراع كلّ من حضرة بهاء الله وعبد البهاء، فإنَّ لتشريعات بيت العدل الأعظم لدى البهائيين السلطة ذاتها التي تتمتع بها النصوص المقدسة. والفارق هنا أنَّ بيت العدل الأعظم يحقّ له تغيير أو نسخ أيٍّ من تشريعاته هو حسب تطور الجامعة البهائية أو حسب ما يستجدّ من الظروف. ولكنه لا يملك الحق في تغيير او نسخ أيّ من الأحكام والشرائع التي أنزلها حضرة بهاء الله. وصرّح عبد البهاء بأَنَّ كل القضايا أو المسائل التي لم يَنُص عليها حضرة بهاء الله صراحة يجب أنْ يَبُتَّ فيها بيت العدل الأعظم:

“يجب على كل واحد أن يرجع إلى الكتاب الأقدس، وكل ما يكون غير منصوص فيه يرجع إلى بيت العدل الأعظم. وكلّ ما يقرّره بالإجماع أو بالأغلبية فهو حقّ وهو من عند الله.”

تقوم “المحافل الروحانية” المركزيّة والمحليّة على تنفيذ الشؤون الإدارية للدين البهائي المحليّة منها والمركزية. وتقوم هذه الهيئات المنتخبة بوظائفها طبقاً لمبادئ المشورة ذاتها التي يخضع لها بيت العدل الأعظم. وسوف تُسمّى هذه الهيئات “بيوت العدل” تدريجيّاً في المستقبل. ويؤمن البهائيون بأنَّ بيت العدل المحلي والمركزي سيكون الأداة التي بواسطتها يمكن ضمان سلامة المجتمع الإنساني ورفاهيته، وبأنَّ قراراته مُلهَمَة وذات نفوذ. ولقد ذكر حضرة بهاء الله بأنَّ الله قد وعد بذلك وبأنَّه سوف يَعْصِم تشريعات بيت العدل الأعظم من الزلل:

“وما لم يكن منصوصاً من الحدود في الكتاب صراحةً يجب على أمناء بيت العدل التشاور فيه وإجراء ما يستحسنونه. إنه يلهمهم ما يشاء وهو المدبّر العليم.”

وينبّهنا حضرة بهاء الله إلى أَنَّ الشؤون الإنسانيّة لا تبقى على حال بل تخضع لسنن التطور والتغيير، وأَنَّ لتحولات الزمان مقتضيات تفرض علينا إعادة النظر في العديد من الأمور:

“وبما أنَّ كلّ يوم يقتضي أمراً وكلَّ حين يستدعي حكمةً فلذلك ترجع الأمور إلى بيت العدل ليقرر ما يراه موافقاً لمقتضى الوقت … أولئك ملهمون بالإِلْهامات الغيبيّة الإلهيّة.”

وبالتالي فقد نص حضرة بهاء الله على أنّ بيت العدل الأعظم هو بمثابة واسطة الهداية الإلهيّة وأنّه لا ينبغي علينا أنْ ننظر إليه على أنه مجرد هيئة إدارية دولية تخدم مصالح الدين البهائي. ويعود عبد البهاء فيؤكد لنا بأنَّ بيت العدل الأعظم هو “تحت عِصْمة الحقّ وحمايته.” ورغم ذلك كلّه فان هذه الهداية الإلهيّة تخصّ بيت العدل الأعظم وحده كهيئة مشتركة، ولا يتمتع بمثل هذه الهداية أي فرد من الأفراد الأعضاء في تلك الهيئة.

انبثق نور فجر عهد جديد في تاريخ الدين البهائي حين تم تشكيل بيت العدل الأعظم. فقد كان فيض الهداية الإلهيّة يصل الجامعة البهائية من مصدرها الأصيل، أي حضرة بهاء الله المظهر الإلهيّ نفسه، واستمرت هذه الهداية عن طريق عبد البهاء مركز العهد والميثاق ومن بعده حضرة شوقي أفندي وليّ أمر الدين البهائي. وإثر وفاة حضرة شوقي أفندي وتأسيس بيت العدل الأعظم، أصبحت الهداية الإلهيّة تنبع من هيئة ينتخبها المؤمنون وليس كما في الماضي صادرة من شخص معيّن يرتبط بالمظهر الإلهي ارتباطاً وثيقاً.

إنَّ العلاقة التي تربط بيت العدل الأعظم بالهيئات الإدارية المحليّة والمركزيّة التي تدعمه إنما هي علاقة على جانب عظيم من الأهمية. وحيث أنَّ الإنسانيّة قد وصلت إلى زمن استيقظت فيه قدرات لها جديدة فكريّة وحسيّة، منح حضرة بهاء الله اهتماماً خاصاً في آثاره بتنمية الأساليب الناجعة لاتخاذ القرار على مستوى القاعدة الجماهيرية في المجتمع الإنساني. وهكذا يشارك الكُلّ من أعلى إلى أدنى المستويات في ممارسة السلطة محلياً ومركزياً لخلق أنماط جديدة من التفاعل والمشاركة، وخاصة فيما بين الافراد والجماعات التي طالما كانت محرومة من المشاركة في اتخاذ القرار. ولذا ألقى حضرة بهاء الله بالمسؤولية على عاتق المحافل الروحانية المركزيّة والمحليّة فيما يختص بتطبيق مبادئه وتعاليمه الروحية والاجتماعية. وعلى هذه المحافل تقع أيضاً مسؤولية ضمان تحقيق ما أَمَرَ به حضرة بهاء الله من تجديدٍ لقواعد الأخلاق وبعث حياة اجتماعية تتسم بالانسجام والتفاهم بين الناس. وبالاضافة إلى ذلك فقد أمر حضرة بهاء الله الهيئات الإدارية البهائيّة المركزيّة منها والمحليّة بأنْ تكفل قيام الجامعات البهائية لخدمة مصالح المناطق والأقاليم والأمم التي تنتمي اليها تلك الجامعات، وأَنْ تحترم قوانين مجتمعاتها وتتقيّد بها. فلقد أكّد حضرة بهاء الله تأكيداً قاطعاً بأَنَّ هدفه الرئيس هو في اكتساب الأفئدة والقلوب وليس في مُلْكٍ أو جاه دنيوي إذ يقول في وصيته: “يا أولياء الله وأمناءَه إِنَّ الملوك مظاهر قدرة الحقّ ومطالع عزّه وثروته فادعوا الله بحقّهم. فحكومة الأرض قد مَنَّ بها عليهم كما اختصّ القلوب بنفسه.”

 فعلى البهائيين أينما كانوا احترام قوانين الدول والحكومات التي يعيشون في ظلّها سواء كانوا يشكّلون أغلبية أو أقلية سكانيّة. وهكذا يتحمّل المحفل الروحاني المركزي في أي دولة من الدول مسؤوليّة محددة لينفّذ الالتزام بهذا المبدأ الحيويّ. وفيما يتعلق بهذا الشأن فإِنَّ بيت العدل الأعظم هو بمثابة الضامن الرئيسي الذي يكفل تقيُّد الجامعة البهائية في كل أنحاء العالم بالشرائع والأحكام التي جاء بها حضرة بهاء الله.

لقد تم في عام ١٩٦٣ تأسيس بيت العدل الأعظم، وذلك عندما اجتمع أعضاء المحافل الروحانية المركزية القادمون من كل أطراف المعمورة لانتخاب تسعة أفراد من البهائيين في العالم لعضوية هذه الهيئة، وجرت عملية الانتخاب تلك في جوٍّ من التجرّد والصفاء وعمق التأمّل. وقد اعتبر البهائيون هذه المناسبة أهم حدث في تاريخ ما يعرف “بالعصر التكويني” لدين الله تلا تعيين حضرة شوقي أفندي وليّاً لأمر الله. وكانت عملية الانتخاب تلك في جلالها ومهابتها لائقةً بمقام بيت العدل الأعظم وهو الهيئة السامية التي وصفها عبد البهاء في وصيته بأنَّها “مصدر كلّ خير.” تم الانتخاب عن طريق الإقتراع السرّي، فالعمليّة الانتخابية في الدين البهائي تمنع كل أنواع الترشيح والدعاوي الانتخابية، وذلك حتى يكون لكل ناخب الحرية الكاملة في اختيار من يريد، وتفادي التحزّب والانقسام ومنع مظاهر السلوك الناجم عن الطموح السلطوي، ذلك السلوك الذي تتسم به عمليّة الانتخابات السياسية التقليدية. وتجري عملية انتخاب بيت العدل الأعظم مرة كل خمس سنوات وفي الجو نفسه من الروحانية والتفاني والاخلاص. ولقد اشترك في آخر مؤتمر انتخابي عقد في عام ٢٠٠٣ الناخبون الوكلاء الذين مثّلوا أكثر من مئة وثمانٍ وسبعين جامعة من الجامعات البهائية في العالم.

وبغضّ النظر عن الأهمية التي تَكْمُنُ في تأسيس بيت العدل الأعظم كهيئة إدارية عليا، فإِنَّ هذا التأسيس تَخَطّى تلك الأهمية إلى أبعد من ذلك، اذ أصبح بيت العدل الأعظم يمثّل الوحدة والإخاء وهي الصفة المميزة التي يعتبرها البهائيون جوهر دينهم وأُسَّ أساسه. فمهما بلغ الإيمان من العمق والإخلاص فإنَّه لا يستطيع وحده أَنْ يحافظ على وحدة جامعة المؤمنين واتحادهم ويضمن استمرار تلك الوحدة ودوامها. إِنَّ تأسيس بيت العدل الأعظم هيئةً صاحبة نفوذ وسلطان تقوم على هداية جامعة المؤمنين في كلّ الشؤون والأحوال، قد صان للدين البهائي وحدته، وذلك إِبَّان أخطر المراحل شأناً في تاريخ أي دين، وهي المرحلة الأولى من مراحل عمره، أي القرن الأول حيث يكون معرضاً لضروب الفُرقة والانقسام التي دائماً ما تصيب الدين. فبعد تشكيله في عام ١٩٦٣ بوقت قصير أصدر بيت العدل الأعظم بياناً أورد فيه ما يلي:

“لقد ثبت ميثاق حضرة بهاء الله دون أَن يُنقَض، ورسخ نفوذه المحيط بكل شيء سليماً دون أَنْ يُنتقَص… وما زالت قناة الهداية الإلهيّة سالكة المجرى توفّر المرونة في إدارة كل الشؤون الإنسانيّة وذلك بواسطة تلك الهيئة التي أسّسها حضرة بهاء الله وأحكم لها السلطة العليا، وأسبغ عليها الهداية المستمرة…”

 

أما بالنسبة للبهائيين فإنَّ الوعد الأكيد الذي قطعه لهم حضرة بهاء الله قد تحقّق بتأسيس بيت العدل الأعظم الذي بات ماثلاً أمامهم ثابتاً راسخ البنيان لا يزعزعه شيء:

  ” … إنّه وَضَعَ أَمره على أساس ثابت راسخ متين لا تزعزعه أرياح العالم ولا إشارات الأُمم.”

إِنّ التراث الروحي الذي ورثه النظام الإداري البهائي إرثٌ يصونه بيت العدل الأعظم بصفته رأس ذلك النظام وسيّده. وها هو يفعل ذلك بتنمية الخصائص الروحانية التي تميّز الحياة البهائية الفردية والجماعية، وبمحافظته على الآثار والنصوص المقدسة من التحريف والتزييف، وبدفاعه عن الجامعة البهائية وتحريرها من قيود الظلم والتعسّف والاضطهاد، بالإضافة إلى قيامه بتأمين الحقوق الشخصية للأفراد وضمان حرياتهم ومبادراتهم الخاصة بهم.

ولقد كُلّف بيت العدل الأعظم بالعمل على تمكين الدين البهائي من معالجة قضايا العصر ومتابعة مقتضيات التقدّم والتطوّر في المجتمع الإنساني، وخُوِّل تَبَعاً لذلك صلاحية تشريع الأحكام والقوانين التي لم ينصّ عليها الكتاب صراحة.

 أما موضوع التشريع في الدين البهائي فقد تم شرحه في رسالة كتبت بالنيابة عن بيت العدل الأعظم جاء فيها:

“لقد كان الاتجاه السائد في الدورات الدينية السابقة إذا ما سُئل في قضية ما أنْ يأتي الجواب تامّاً كاملاً يتضمن قراراً مُلزِماً يشمل كل التفاصيل الصغيرة المتعلقة بمسائل العقيدة والإيمان وقضايا السلوك والمعاملة. ولكن الدورة البهائية شهدت منذ عهد حضرة بهاء الله نفسه اتجاهاً آخر يقوم أساساً على توضيحٍ للمبادئ الجوهرية للوصول إلى قرارات مُلزِمة في ما يمكن اعتباره أساسياً في الدين، ولكنه تَرَك مجالاً واسعاً أمام الفرد ليتصرف في عدد من القضايا الأخرى حسب ما يمليه عليه الضمير. ويسود مثل هذا الاتجاه في الأمور والشؤون الإدارية أيضاً.”

بالإضافة إلى ما يقع على عاتق هيئة بيت العدل الأعظم من المسؤولية الخاصة بتوجيه نموّ الجامعة البهائية العالمية وازدهارها، يوجّه حضرة بهاء الله الدعوة إلى هذه الهيئة لتبذل قصارى الجهد فتعمل على التأثير تأثيراً إيجابياً فيما يعود بالخير والمنفعة العامة على الناس كافة. ويدعو حضرة بهاء الله بيت العدل الأعظم لكي يسعى أيضاً سعياً حثيثاً لإحلال السلام الدائم بين أمم العالم ودُوَله حتى “يرتاح العالم ويتخلّص من المصاريف الباهظة” ويتحرر من الصراع و”النزاع” اللذين هما “أساس التعب والمشقة.” ويحثّ حضرة بهاء الله بيت العدل الأعظم، بالإضافة إلى ذلك، على أَنْ يسعى “في تربية العباد وتعمير البلاد وحفظ النفوس وصيانة الناموس.” وتنفيذاً لما أمر به حضرة بهاء الله نَشِط بيت العدل الأعظم في تنظيم حملة كان هدفها رفع راية السلام والأمن في العالم، وشَرَع في تنفيذ عدد من المبادرات الخيّرة في مجالات حقوق الإنسان، وتحسين أوضاع المرأة، ومشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فأصدر في عام ١٩٨٥ بياناً بعنوان “السلام العالمي وعدٌ حقّ” وجّهه إلى شعوب العالم، وبعث بنسخٍ منه إلى كل رؤساء الدول في العالم تقريباً، وقد بيّن بيت العدل الأعظم في رسالة السلام هذه المتطلبات الرئيسة لاستتباب السلام في العالم وتوفير الرفاهية والازدهار لأهله.

عيّن حضرة بهاء الله في “لوح الكرمل” المكان الذي أراده مقراً لبيت العدل الأعظم ومركزاً لدينه. فعلى سفح جبل الكرمل وفي مدينة حيفا بالأراضي المقدسة تم تشييد ذلك المقرّ الجليل على مقربة من ضريح الباب وعلى مسافة غير بعيدة من مدينة عكا حيث يوجد في أحد ضواحيها الحرم الأقدس، ضريح حضرة بهاء الله ومرقده الأخير المبارك.

منقول من  http://info.bahai.org/arabic/uhj.html

لِمَ اعترض العباد من بعد طلبهم وانتظارهم؟! تابع سرد كتاب الإيقان

اغسطس 13, 2008 by bahaiyat

انظروا إلى الأيّام السّالفة، كم من العباد من شريف ووضيع،

كانوا دائمًا ينتظرون ظهورات الأحديّة في الهياكل القدسيّة،

على شأن كانوا في جميع الأوقات والأزمنة

 يترصّدون وينتظرون، يدعون ويتضرّعون،

لعلّ يهبُّ نسيم الرّحمة الإلهيّة، ويطلع جمال الموعود

من خلف سرادق الغيب إلى عرصة الظّهور. 

وعندما كانت تنفتح أبواب العناية،

ويرتفع غمام المكرمة،

وتظهر شمس الغيب عن أفق القدرة،

يقوم الجميع على تكذيبها وإنكارها ويحترزون عن لقائها

الّذي هو عين لقاء الله،

كما هو مذكور ومسطور تفصيله في جميع الكتب السّماويّة«

 

تدبّروا الآن وتفكّروا قليلاً،

لِمَ اعترض العباد من بعد طلبهم وانتظارهم؟!

وكان اعتراضهم أيضًا بدرجة يعجز اللِّسان والبيان عن وصفه،

ويقصر التّقرير والتّحرير عن ذكره. 

فلم يظهر أحد من المظاهر القدسيّة والمطالع الأحديّة

إلاّ وابتلي باعتراض النّاس وإنكارهم واحتجاجهم

كما قال تعالى:

﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون([1])،

وكما قال في موضع آخر

﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ([2])

وكذلك كانت الكلمات النّازلة من غمام القدرة الصّمدانيّة،

وسماء العزّة الرّبّانيّة تفوق حدّ الإحصاء وإحاطة العباد،

وإنّ في سورة هود لكفاية لأولي الأفئدة وأصحاب البصر.

فتأمّلوا قليلاً في هذه السّورة المباركة

وتدبّروا فيها بالفطرة الأصليّة،

حتّى تطّلعوا قليلاً على بدائع أمور الأنبياء

وردّ كلمات النّفي لهم وتكذيبهم إيّاهم،

 لعلَّ تكوننَّ سببًا لأن يطير النّاس من موطن الغفلة النّفسانيّة

إلى أوكار الوحدة والمعرفة الإلهيّة،

وتشربنَّ من زلال الحكمة الباقية،

وترزقنَّ من أثمار شجرة علم ذي الجلال.

هذا هو نصيب الأنفس المجرّدة من المائدة المنزّلة القدسيّة الباقية«

«لو اطّلعتم على علّة إبتلاء الأنبياء،

 وسبب اعتراضات العبادعلى تلك الشّموس الهويّة،

 لوقفتم على كثير من أمورهم. 

كذلك كلّما لاحظتم وتفحّصتم كثيرًا في اعتراضات العباد

على مشارق شموس صفات الأحديّة،

ازددتم إحكامًا في دينكم،ورسوخًا في أمر الله.  

لذا نذكر في هذه الألواح بعضًا من قصص الأنبياء

على سبيل الإجمال،

حتّى يكون معلومًا ومثبوتًا

أنّه قد ورد على مظاهر القدرة ومطالع العزّة

في جميع الأعصار والقرون،

ما يضطرب له القلم ويخجل من ذكره.

لعلَّ تصير هذه الأذكار سببًا لعدم اضطراب بعض النّاس

من إعراض العلماء واعتراض جُهّال العصر،

بل ربّما يزيدهم هذا إيقانًا واطمئنانًا«


(1)  سورة يس.

(2) سورة غافر.

تابع سرد كتاب الايقان…….

 

 

 

كتاب الإيقـــــان

اغسطس 13, 2008 by bahaiyat

الاخوة والاخوات الاعزاء

سوف اقوم بإذن الله بسرد كتاب الايقان على اجزاء متوالية من الان

اتمنى ان تتابعوا قرائته والاستفاده من هذا الكتاب القيم

 

كتاب الإيقان

 

 “قل هذا يوم

 

فيه تمّت الحجّة وظهرت الكلمة ولاح البرهان”

  ”إنّه يدعُوكم بما ينفعكم

 ويأمركم بما يقرّبكم إلى الله مالك الأديان”

 

بسم ربِّنا العليّ الأعلى

 

الباب المذكور

في بيان أنّ العباد لن يصلوا إلى شاطئ بحر العرفان

 إلاّ بالانقطاع الصّرف

عن كلّ من في السّموات والأرض.

 

قدّسوا أنفسكم يا أهل الأرض

لعلّ تصلنّ إلى المقام الّذي قدّر الله لكم

وتدخلنّ في سرادق

جعله الله في سمآء البيان مرفوعًا”«

 

 

جوهر هذا الباب

  هو أنّه يجب على السّالكين سبيل الإيمان

والطّالبين كؤوس الإيقان

أن يطهّروا أنفسهم

ويقدّسوها عن جميع الشؤونات العرضيّة –

يعني

ينزّهون السّمع عن استماع الأقوال،

والقلب عن الظّنونات المتعلّقة بسبحات الجلال،

والرّوح عن التّعلّق بالأسباب الدّنيويّة،

والعين عن ملاحظة الكلمات الفانية،

ويسلكون في هذا السّبيل

متوكّلين على الله ومتوسّلين إليه،

حتّى يصبحنّ قابلين

لتجلّيات إشراقات شموس العلم والعرفان الإلهي

لأنّ العبد لو أراد أن يجعل أقوال العباد من عالم وجاهل،

وأعمالهم وأفعالهم

ميزانًا لمعرفة الحقّ وأوليائه

فإنّه لن يدخل أبدًا رضوان معرفة ربّ العزّة،

 ولن يفوز بعيون علم سلطان الأحديّة وحكمته،

ولن يرد منزل البقاء،

ولن يذوق كأس القرب والرضا«

 

    تابع سرد الكتاب ……….

 

 

 

 

 

 

 

درجة إدراكات العالم الانساني ومظاهر الظهور

مارس 27, 2008 by bahaiyat

السّؤال

ما درجة إدراكات العالم الإنسانيّ وما حدودها؟

      الجواب

اعلم أنّ الإدراكات متفاوتة، فأدنى رتبة في الإدراك هي الإحساس الحيوانيّ يعني الحسّيّات الطّبيعيّة الّتي تظهر بقوّة الحواسّ ويقال لها الحسّيّات، ويشترك الإنسان والحيوان في هذا الإدراك، بل إنّ بعض الحيوان أقوى من الإنسان فيها، وأمّا في العالم الإنسانيّ فبحسب اختلافات مراتبه تتنوّع الإدراكات وتتفاوت، وفي الرّتبة الأوّليّة في عالم الطّبيعة هي إدراكات النّفس النّاطقة، وجميع البشر مشترك في هذه القوّة غافلاً كان أم عاقلاً مؤمناً كان أم ضالاًّ، وهذه النّفس النّاطقة الإنسانيّة خلقها الله محيطة ممتازة على سائر الكائنات، ولمّا كانت أشرف الكائنات وممتازة فهي محيطة بالأشياء، وتستطيع قوّة النّفس النّاطقة أن تكشف حقائق الأشياء وتدرك خواصّ الكائنات وتهتدي إلى أسرار الموجودات، فهذه الفنون والمعارف والصّنائع والبدائع والتّأسيسات والاكتشافات والمشروعات كلّها من إدراكات النّفس النّاطقة، وقد كانت في زمن ما سرّاً مكنوناً ورمزاً مصوناً غير معلوم، ثمّ كشفتها النّفس النّاطقة بالتّدريج وأتت بها من حيّز الغيب والخفاء إلى حيّز الشّهود، وهذه أعظم قوّة إدراك في عالم الطّبيعة، وأسمى ما تصل إليه في نهاية جولانها وطيرانها هو إدراكها لحقائق الممكنات وخواصّها وآثارها.

أمّا العقل الكلّيّ الإلهيّ الذّي هو ما وراء الطّبيعة فهو فيض القوّة القديمة، وهذا العقل الكلّيّ الإلهيّ محيط بالحقائق الكونيّة ومقتبس من الأنوار الإلهيّة والأسرار الرّبانيّة، هو قوّة عالمة وليس قوّة متفحّصة متحسّسة، أمّا قوّة عالم الطّبيعة المعنويّة فهي قوّة متفحّصة وتهتدي بتفحّصها إلى حقائق الكائنات وخواصّ الموجودات.

      وأمّا القوّة العاقلة الملكوتيّة الّتي هي ما وراء الطّبيعة فهي محيطة بالأشياء وعالمة بها ومدركة لها، ومطّلعة على الأسرار والحقائق والمعاني الإلهيّة وكاشفة للحقائق الخفيّة الملكوتيّة، وهذه القوّة العقليّة الإلهيّة خاصة بالمظاهر المقدّسة ومطالع النّبوّة، وتسطع أشعّة من هذه الأنوار على مرايا قلوب الأبرار الّتي تأخذ قسطاً ونصيباً من هذه القوّة بوساطة المظاهر المقدّسة.

      وللمظاهر المقدّسة ثلاثة مقامات، مقام الجسد ومقام النّفس النّاطقة ومقام المظهريّة الكاملة الجلوة الرّبانية، أمّا الجسد فيدرك الأشياء بقدر استطاعة العالم الجسماني، لهذا أظهروا العجز في بعض المواقع، مثلاً يقول كنت نائماً غير واعٍ مرّت عليّ نسمة الله وأيقظتني وأمرتني بالنّداء، أو أنّ حضرة المسيح تعمّد في سنّ الثّلاثين وهبط عليه الرّوح القدس ولم تظهر هذه الرّوح قبل هذا في المسيح، فجميع هذه الأمور راجعة لمقامهم الجسديّ.

أمّا مقامهم الملكوتيّ فمحيط بجميع الأشياء، ومطّلع على جميع الأسرار وعالم بكلّ الآثار وحاكم على جميع الأشياء، سواء أكان قبل البعثة أو بعدها، ولذلك يقول أنا الألف والياء، الأوّل والآخر ما كان لي تغيير ولا تبديل ولن يكون.

منقول من كتاب مفاوضات حضرة عبد البهاء ص 159-160

http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-158.html

تفاوت أخلاق النوع الإنساني

يناير 29, 2008 by bahaiyat

        السّؤال

 إلى كم تنقسم أخلاق النّوع الإنسانيّ

 ومن أين جاء هذا الاختلاف والتّفاوت؟

        الجواب

 الأخلاق فطريّة وموروثة واكتسابيّة والأخيرة تحصل بالتّربية

 أمّا الأخلاق الفطريّة وإن كانت الفطرة الإلهيّة خيراً محضاً ولكنّ اختلاف الأخلاق الفطريّة في الإنسان ناشئ عن تفاوت الدّرجات، فكلّها خير أمّا بحسب الدّرجات هي بين حسن وأحسن، كما أنّ لجميع النّوع الإنسانيّ إدراكاً واستعداداً، ولكن يتفاوت الإدراك والاستعداد والقابليّة فيما بين النّوع الإنسانيّ، وهذا واضح، مثلاً هناك أطفال في بيت واحد وفي محلّ واحد وفي مكتب واحد يتعلّمون من معلِّم واحد ويتربّون من غذاء واحد وفي هواء واحد وبلباس واحد ويدرسون درساً واحداً فلا بدّ أن يكون البعض من بين هؤلاء الأطفال ماهراً في الفنون والبعض متوسّطاً والبعض متأخّراً، إذاً صار من المعلوم أنّ التّفاوت في الدّرجات موجود في أصل الفطرة، وأنّ تفاوت القابليّة والاستعداد مشهود، ولكن ليس هذا التّفاوت من وجهة الخير والشّر بل هو مجرّد تفاوت في الدّرجات، فواحد في الدّرجة العليا وواحد في الدّرجة الوسطى وواحد في الدّرجة الدّنيا، مثلاً للإنسان وجود وللحيوان وجود وللنّبات وجود وللجماد وجود، أمّا الوجود فمتفاوت في هذه الموجودات الأربعة، فأين وجود الإنسان من وجود الحيوان، والحال أنّ الكلّ موجود، فمن الواضح إذاً أنّ في الوجود تفاوتاً في الدّرجات.

وأمّا تفاوت الأخلاق الموروثة فهو من ضعف المزاج وقوّته، يعني لمّا يكون مزاج الأبوين ضعيفاً يكون أطفالهما مثلهما، وإن كانا قويّين فأطفالهما يكونون نشيطين، وكذلك يكون لطهارة الدّم حكم كلّيّ، لأنّ النّطفة الطّيّبة كالجنس الأعلى الّذي يوجد في النّبات والحيوان أيضاً، مثلاً يلاحظ أنّ الأطفال الّذين يولدون من أب وأمّ ضعيفين عليلين يبتلون طبعاً بضعفٍ في البنية وضعف في العصب وهم عجولون فلا صبر لهم ولا جلد ولا ثبات ولا همّة، لأنّ ضعف الأبوين ووهنهما يصير ميراثاً للأطفال، وفضلاً عن هذا فإنّ بعضاً من السّلالات والأسر يختصّون بموهبة، مثلاً إنّ سلالة إبراهيم كانت مختصّة بموهبة وهي كون جميع أنبياء بني اسرائيل من سلالة إبراهيم، فقد أعطى الله هذه الموهبة لتلك السّلالة، فحضرة موسى ينتسب إليها من جهة الأب والأمّ، وحضرة المسيح من جهة الأمّ، وحضرة محمّد وحضرة الأعلى وجميع أنبياء بني إسرائيل والمظاهر المقدّسة كانوا من تلك السّلالة، وحضرة بهاء الله أيضاً من سلالة إبراهيم، لأنّه كان لحضرة إبراهيم أولاد آخرون غير إسماعيل وإسحق هاجروا في تلك الأزمنة إلى أنحاء إيران وأفغانستان، فحضرة بهاء الله أيضاً من تلك السّلالة.

إذاً صار من المعلوم أنّ الأخلاق الوراثيّة موجودة أيضاً، بحيث إذا لم يكن هناك تطابق في الأخلاق فإنّه لا يعتبر من الوجهة الرّوحية من تلك السّلالة، ولو أنّه من الوجهة الجسمانيّة من تلك السّلالة مثل كنعان فإنّه لا يعدّ من سلالة نوح.

وأمّا تفاوت الأخلاق من حيث التّربية فهو عظيم جدّاً، لأنّ التّربية لها تأثير عظيم، إذ تصيِّر الجاهل عالماً والجبان شجاعاً والغصن الأعوج مستقيماً وفواكه الجبال والغابات المرّة حلوة لذيذة، والوردة ذات خمس غلالات تصبح ذات مائة غلالة، وبالتّربية تتمدّن الأمّة المتوحّشة، حتّى الحيوان فإنّه بالتّربية يقلّد الإنسان في حركاته وأعماله، فيجب اعتبار التّربية أنّها في غاية الأهمّيّة، لأنّ الأمراض كما أنّها تسري بشدّة في عالم الأجسام وتنتقل من بعضها إلى بعض، كذلك الأخلاق لها سريان عظيم في الأرواح والقلوب، فالتّفاوت في التّربية عظيم جدّاً،وله حكم كلّيّ، ولربّ قائل يقول ما دام استعداد النّفوس وقابليّتها متفاوتاً فلا بدّ أن تتفاوت الأخلاق بسبب تفاوت الاستعداد، فنقول أنّ الأمر ليس كذلك لأنّ الاستعداد على قسمين: استعداد فطريّ واستعداد اكتسابيّ، فالاستعداد الفطريّ الذّي خلقه الله كلّه خير محض، إذ ليس من شرّ في الفطرة، أمّا الاستعداد الاكتسابيّ فهو سبب حصول الشّرّ، مثلاً خلق الله جميع البشر ووهبهم قابليّة واستعداداً ليستفيدوا من الشّهد والسّكر ويتضرّروا ويهلكوا من السّمّ، فهذه القابليّة والاستعداد كلاهما فطريّ أعطاهما الله لجميع النّوع الإنسانيّ على حدّ سواء، ولكنّ الإنسان يشرع في استعمال السّمّ قليلاً قليلاً ويتناول منه كلّ يوم مقداراً ويزيد عليه شيئاً فشيئاً، حتّى يصل الأمر إلى أنّه لو لم يتناول كلّ يوم درهماً من الأفيون لهلك، وانقلب استعداده الفطريّ انقلاباً كلّيّاً، فانظروا كيف يتغيّر الاستعداد والقابليّة الفطريّة تغيّراً جذريّاً حتّى يتحوّل إلى العكس بسبب تفاوت العادة والتّربية، فليس الاعتراض على الأشقياء من جهة الاستعداد والقابليّة الفطريّة بل من جهة الاستعداد والقابليّة الاكتسابيّة، إذ ليس في الفطرة شرّ بل كلّها خير، حتّى الصّفات والأخلاق المذمومة الملازمة لذاتيّة البعض من النّوع الإنسانيّ فإنّها في الحقيقة ليست بمذمومة، مثلاً يلاحظ في بداية حياة الطّفل الذّي يرضع من الثّدي أنّ آثار الحرص بادية منه كما يشاهد منه أيضاً آثار الغضب والقهر، وإذاً يقال أنّ الحسن والقبح كلاهما فطريّ في الحقيقة الإنسانيّة، وهذا مناف للخير المطلق الذّي هو في الخلقة والفطرة، فالجواب أنّ الحرص الذّي هو طلب الزّيادة صفة ممدوحة لو استعملت في موضعها، فمثلاً لو يحرص الإنسان على تحصيل العلوم والمعارف وعلى أن يكون رحيماً ذا مروءة وعدالة فإنّ ذلك ممدوح جدّاً، ولويغضب على الظّالمين السّفّاكين للدّماء الذّين هم كالسّباع الضّارية ويقهرهم فذلك ممدوح جدّاً، ولكنّ هذه الصّفات لو استعملت في غير موضعها لكانت مذمومة، إذاً صار من المعلوم أنّه لا يوجد في الفطرة شرّ أبداً، أمّا لو تستعمل أخلاق الإنسان الفطريّة في المواقع غير المشروعة فذلك مذموم، مثلاً لو أنّ شخصاً غنيّاً كريماً أعطى فقيراً مبلغاً ليصرفه في حاجاته الضّروريّة لنفسه، وهذا الشّخص الفقير صرف ذلك المبلغ في أمور غير مشروعة، فإنّ ذلك يكون مذموماً، وكذلك لو استعملت جميع الأخلاق الفطريّة الّتي هي رأس مال الحياة في أمور غير مشروعة فإنّها تكون مذمومة.

إذاً صار من الواضح أنّ الفطرة خير محض، فلاحظوا أنّ أسوأ الأخلاق وابغض الصّفات الّتي هي أساس جميع الشّرور هو الكذب ولا يتصوّر في الوجود صفة أسوأ ولا أذمّ منه، لأنّه هادم لجميع الكمالات الإنسانيّة وسبب الرّذائل الّتي لا تتناهى، وليس من صفة أسوأ من هذه الصّفة فهو أساس جميع القبائح، ومع هذا فلو واسى حكيم مريضاً بقوله الحمد لله إنّ أحوالك أحسن ويرجى لك حصول الشّفاء، فهذا القول ولو أنّه مخالف للحقيقة لكنّه قد يكون أحياناً ذا جدوى لتسلية قلب المريض وسبباً لشفائه، فهو إذاً ليس بمذموم، وقد وضّحت هذه المسألة بأجلى بيان والسّلام.

منقول من كتاب مفاوضات عبد البهاء صفحة154

http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-151.html#pg154

القوى الجسمانية والقوى المعنوية

يناير 18, 2008 by bahaiyat

 توجد في الإنسان قوى خمس ظاهرة جسمانيّة.

وهذه القوى واسطة الإدراك، يعني يدرك الإنسان بهذه القوى الخمس الكائنات الجسمانيّة.

فالقوّة الباصرة الّتي تدرك الصّور المحسوسة،

والقوّة السّامعة الّتي تدرك الأصوات المسموعة،

والقوّة الشّامّة الّتي تدرك الأشياء ذات الرّائحة،

والقوّة الذّائقة الّتي تدرك الأطعمة،

والقوّة اللاّمسة المنتشرة في جميع أعضاء الإنسان الّتي تدرك الملموس، فهذه القوى الخمس هي الّتي تدرك الأشياء الخارجيّة (الماديّة).

وكذلك في الإنسان قوى معنويّة، وهي

 المخيّلة الّتي تتخيّل الأشياء،

 والمفكّرة الّتي تفكّر في حقائق الأمور،

والمدركة الّتي تدرك حقائق الأشياء،

والحافظة الّتي تحفظ كلّ ما يتخيّله الإنسان ويفكّر فيه ويدركه،

والواسطة بين هذه القوى الخمس الظّاهرة والقوى الباطنة هو الحسّ المشترك،

يعني هو الواسطة بين القوى الباطنة وبين القوى الخمس الظّاهرة، فينقل إلى القوى الباطنة ما تحسّه القوى الظّاهرة، ويعبّرون عن هذا بالحسّ المشترك بين القوى الظّاهرة والقوى الباطنة،

فمثلاً البصر وهو أحد القوى الظّاهرة يرى هذه الوردة ويحسّ بها فيعطي الحسّ المشترك هذا الإحساس للقوى الباطنة، ويسلِّم الحسّ المشترك هذه المشاهدة إلى القوى المخيّلة، وتتصوّر القوّة المخيّلة هذه المشاهدة ثمّ توصلها إلى القوّة المفكّرة، والقوّة المفكّرة تفكّر فيها وبعد أن تهتدي إلى حقيقتها تسلّمها إلى القوّة المدركة، ولمّا تدرك القوّة المدركة صورة ذلك الشّيء المحسوس تسلّمها إلى الحافظة، والقوّة الحافظة تحفظها وتظلّ محفوظة في خزانتها.

فالقوى الظّاهرة خمس:

الباصرة والسّامعة والذّائقة والشّامّة واللاّمسة.

والقوى الباطنّة أيضاً خمس:

المشتركة والمخيّلة والمفكرّة والمدركة والحافظة.

 منقول من كتاب مفاوضات حضرة عبد البهاء صفحة153

 http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-150.html#pg153

حكمة ظهور الروح في الجسد

يناير 15, 2008 by bahaiyat

      السّؤال

 ما حكمة وجود الرّوح في الجسد؟

      الجواب

حكمة ظهور الرّوح في الجسد هي أنّ الرّوح الإنسانيّ وديعة رحمانيّة يجب أن تسير في جميع المراتب، لأنّ سيرها وحركتها في جميع مراتب الوجود يكون سبباً لاكتسابها الكمالات

مثلاً لو أنّ إنساناً يسير في الأقاليم المختلفة ويتنقّل في الممالك المتعدّدة بنظام وترتيب لا شكّ أنّ ذلك يؤدّي إلى كسب الكمال، لأنّه يشاهد مختلف البلدان والمناظر والممالك، ويطّلع على شؤون سائر الأمم وأحوالها، ويحيط علماً بجغرافية البلدان ويرى صنائع الممالك وبدائعها، ويطّلع على عادات الشّعوب وأخلاقها وتقاليدها ويرى نتائج المدنيّة ورقيّ العصر، ويقف على سياسة الحكومات ومقدرة كلّ مملكة وكفاءتها،

وكذلك روح الإنسان عندما تسير في مراتب الوجود وتنال كلّ رتبة ومقام، لا شكّ أنّها تكتسب الكمالات حتّى وهي في الرّتبة الجسمانيّة،

وفضلاً عن هذا فإنّه يجب أن تظهر آثار كمالات الرّوح في هذا العالم حتّى يحصل الكون على نتائج غير متناهية، وتحلّ الرّوح في جسد الإنسان وتتجلّى الفيوضات الإلهيّة،

مثلاً يجب أن يسطع شعاع الشّمس على الأرض لتتربّى الكائنات الأرضيّة بحرارتها، وإن لم تفض الشّمس بحرارتها وتسطع بأشعّتها على الأرض لظلّت صعيداً جرزاً دون نموّ وحياة،

وكذلك إذا لم تظهر كمالات الرّوح في هذا العالم يصير عالماً ظلمانيّاً حيوانيّاً محضاً،

ولكن بظهور الرّوح في الهيكل الجسمانيّ يصير هذا العالم نورانيّاً،

فكما أنّ روح الإنسان هي سبب حياة جسده، فكذلك العالم بمنزلة الجسد والإنسان بمنزلة روحه.

فلولا الإنسان وظهور كمالات الرّوح وتجلّي أنوار العقل في هذا العالم لكانت الدّنيا جسداً بدون روح،

وكذلك هذا العالم بمنزلة الشّجر والإنسان بمنزلة الثّمر، فلولا الثّمر لكان الشّجر عديم الفائدة،

وفضلاً عن ذلك فإنّ هذه العناصر والأجزاء وهذا التّركيب في جسم الإنسان إنّما تجذب الرّوح وتعدّ مغناطيساً لها،

فلا بدّ إذاً من ظهور الرّوح ، ومثلها في ذلك كمثل المرآة الصّافية الّتي لا بدّ وأنّها تجذب أشعّة الشّمس وتستضيء وتظهر فيها الانعكاسات العظيمة،

يعني لو اجتمعت هذه العناصر الكونيّة وتركّبت على النّظم الطّبيعيّ في كمال الإتقان لصارت مغناطيس الرّوح، ولتجلّى الرّوح فيها بجميع الكمالات،

فلا يقال في هذا المقام بعد ذلك ما لزوم تنزل شعاع الشّمس في المرآة؟

لأنّ الارتباط بين حقائق الأشياء سواء أكان روحانيّاً أم جسمانيّاً يقتضي ذلك،

وهو أنّه إذا وُضِعَت المرآة بحيث تقابل الشّمس لظهر شعاع الشّمس فيها،

وهكذا لمّا تتركّب العناصر وتمتزج على أشرف نظم وترتيب وأسلوب تظهر روح الإنسان وتتجلّى فيها (وذلك تقدير العزيز العليم).   

سورة الانعام آية96

 منقول من كتاب مفاوضات حضرة عبد البهاء ص143

 http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-140.html